العودة إلى المدونة

النفايات الصلبة: استراتيجيات دون موازنات وظلم بيئي متصاعد
لا تحمل سحب الدخان الخانقة التي تغلف سماء قرية عطارة شمال رام الله روائح النفايات المحترقة فحسب، بل تجسد إخفاقاً هيكلياً في منظومة السياسات

رام الله - آية دحادحة - منصة ظل
لا تحمل سحب الدخان الخانقة التي تغلف سماء قرية عطارة شمال رام الله روائح النفايات المحترقة فحسب، بل تجسد إخفاقاً هيكلياً في منظومة السياسات البيئية الفلسطينية. فعند مدخل القرية، تتكدس أكوام النفايات على جانبي الطريق في مشهد بات يشوه المكان ويثقل التفاصيل اليومية للمارة، ليختصر أحد أبناء القرية مشهداً مألوفاً ومؤلماً بقوله: "صرنا نتصبح ونتمسى بهالمكب". وبين سخط الأهالي وعجزهم، يتصاعد التهديد المباشر للصحة العامة، لتتحول هذه المكبات العشوائية من مجرد أزمة خدمية إلى انعكاس صارخ لقصور التدخلات العامة وغياب العدالة البيئية للفئات المهمشة.
فجوة التمويل: استراتيجيات طموحة أمام موازنات متآكلة
في ظل تقديرات تشير إلى أن معدل إنتاج الفرد الفلسطيني من النفايات يقارب كيلوغراماً واحداً يومياً، تواجه منظومة الإدارة تحديات تضعف قدرتها على الاستجابة الفاعلة. على المستوى السياساتي، أطلقت سلطة جودة البيئة في تموز 2025 استراتيجيتها عبر القطاعية (2025–2027) لتكون إطاراً وطنياً يهدف إلى تحقيق بيئة "محمية، نظيفة، ومستدامة". وتسعى هذه الاستراتيجية للنهوض بإدارة الموارد، وخفض مستويات التلوث، والتكيف مع التغير المناخي، وتطوير الإطار القانوني عبر تخطيط تشاركي يستجيب لغياب التنسيق المؤسسي الفعال. إلا أن القراءة التحليلية لهذه السياسة تصطدم بواقع مالي هش؛ إذ تحيط الشكوك بقدرة السلطة الوطنية، في ظل أزمتها المالية الخانقة، على توفير الموازنة المقدرة لإنفاذ الخطة والبالغة نحو 48 مليون شيكل. وتتضح ملامح هذه الفجوة التمويلية بشكل أعمق عند إدراك أن سلطة جودة البيئة تعجز عن رفع موازنتها التشغيلية الثابتة عند 16 مليون شيكل سنوياً، في حين لم تتجاوز حصة قطاع البيئة بأكمله حاجز الـ 3% من إجمالي الموازنة العامة بين عامي 2017 و2022، ما يهدد بإبقاء الاستراتيجيات حبيسة الأدراج.
الظلم البيئي: تقاطع العجز المحلي والرأسمالية الاستيطانية في مناطق (ج)
تشير بيانات وزارة الحكم المحلي لعام 2022 إلى أن الأزمة في الضفة الغربية تتجاوز حجم الإنتاج البالغ نحو 1.1 مليون طن سنوياً، لتتمركز في آليات التخلص من هذه النفايات. ورغم نقل النسبة الأكبر إلى مكبات صحية، يوثق تقرير حالة البيئة لعام 2023 وجود 72 مكباً عشوائياً، مع تباين جغرافي يفرض أعباءً غير متكافئة على المجتمعات المحلية. وفي هذا السياق، يوضح المدير التنفيذي لمجلس الخدمات المشترك في محافظة رام الله والبيرة، حسين أبو عون، أن الاعتماد المطلق على التمويل الخارجي لتطوير البنية التحتية، كالمكبات ومحطات الترحيل، يجعل استدامتها رهينة لتقلبات المانحين، مضيفاً أن دخول القطاع الخاص بشكل غير منظم فاقم من انتشار المكبات العشوائية. ورغم أن نماذج توحيد الخدمة أثبتت فاعليتها لدى الهيئات المحلية الصغيرة، يبرز الرفض المجتمعي كعائق إضافي أدى إلى تعطيل إنشاء مكب مركزي في رام الله والبيرة على سبيل المثال.
غير أن هذه التحديات الإدارية تتقاطع مع تعقيدات جيوسياسية تفرض واقعاً من الظلم البيئي؛ إذ يؤكد أبو عون أن القيود الإسرائيلية في مناطق (ج) تعيق أي تطوير معياري للبنية التحتية، وهو ما أفشل خطط إنشاء محطة ترحيل أو تأهيل مكب عطارة.
ويفكك الباحث البيئي د. خالد أبو علي هذا البعد، مشيراً إلى أن ضعف التخطيط المكاني والقيود الاحتلالية يسهمان في تحويل مناطق (ج) إلى ساحات خلفية للتخلص من نفايات المستوطنات والشركات الإسرائيلية، فعمليات التهريب الممنهجة هذه تمثل وجهاً من وجوه الرأسمالية الاستيطانية التي تستغل الأراضي الفلسطينية كمكبات رخيصة، مما يعمق اختلال العدالة المكانية والبيئية.
نحو اقتصاد دائري: لامركزية الحلول وتوطين التجارب
أمام هذا المشهد المركب، يطرح د. أبو علي مقاربات ترتكز على اجتراح الحلول ضمن الظروف القائمة، داعياً إلى تبني نهج لامركزي يعتمد على إنشاء نقاط تجميع محلية صغيرة وتفعيل مبادرات الفرز من المصدر، بدلاً من التعويل الحصري على المكبات المركزية. موضحاً أن إدماج القطاع غير الرسمي في شراكات محلية، والتعاون مع الجامعات والجمعيات البيئية، يمكن أن يرفع كفاءة جمع النفايات ويقلل تكاليفها. ولتحقيق تحول مستدام، يوصي أبو علي بتغيير سلوك الاستهلاك عبر سياسات "الدفع مقابل النفايات"، وفرض قيود على البلاستيك أحادي الاستخدام، متبنياً مبادئ "الاقتصاد الدائري" التي تحول النفايات إلى فرصة اقتصادية عبر إنتاج السماد العضوي وإعادة التدوير محلياً. أما في الحالات التي يتعذر فيها إزالة المكبات العشوائية، يقترح د. أبو علي حلولاً تكيّف التجارب العالمية مع الواقع المحلي، مثل التغطية البسيطة وتصريف العصارة للحد من انتشار الملوثات، مؤكداً أن التحول الفعلي يبدأ من سلوك الأفراد داخل منازلهم، ويُتوج بقرارات الهيئات المحلية.
تشي أزمة النفايات في الضفة الغربية بأنها انعكاس لهشاشة السياسات وتشابكها مع تعقيدات الواقع الاستعماري. فالمواطن الذي يختنق بدخان المكبات لا يبحث عن استراتيجيات مكتوبة، بل عن حقه في بيئة آمنة ويوم خالٍ من التلوث. تثبت المقاربات المطروحة أن التحول ممكن في حال تبني خطوات واقعية ومستدامة، تساعد في إحقاق عدالة بيئية ناجزة.
لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.