العودة إلى المدونة
سياسات اقتصادية

فلسطين بلا احتياطي وقود: أزمة متكررة وسياسات ضعيفة

5 دقائق قراءة 14 أبريل 2026
فلسطين بلا احتياطي وقود: أزمة متكررة وسياسات ضعيفة

طوابير على محطات المحروقات وقلق من تكرار أزمات الوقود، وسط غياب لسياسات تحوط وطني.

رام الله - قمر برغوثي - منصة ظل

لم يكن الطابور الطويل الذي اصطف فيه الشاب محمود ياسين أمام إحدى محطات الوقود غرب جنين، أواخر آذار الماضي، مجرد أزمة عابرة، بل مشهداً يعكس انكشاف قطاع الطاقة الفلسطيني أمام السياسات الإسرائيلية المسيطرة، مع غياب الحلول المحلية الواقعية. عاد ياسين، كما مئات المواطنين، عاجزاً عن تأمين ما يكفي لتنقله إلى عمله، في واقع يعقّب عليه قائلاً: "نفد وقود مركبتي ولم أجد قطرة واحدة في المحطات، هذا العجز شلّ عملي تماماً، لاسيما مع الارتفاع المضطرد في أجور النقل العام".
هذا المشهد الذي انسحب على مختلف محافظات الضفة الغربية، ترافق مع شبهات باحتكار بعض المحطات للوقود ترقباً للارتفاعات الحادة في الأسعار التي أُقرت مطلع نيسان. ما دفع مواطنين كياسين إلى الانخراط في موجات لاحقة من "التحوط القسري"، حيث قام مواطنون بتخزين كميات إضافية من الوقود والغاز المنزلي، في تكرار لسيناريو مشابه واجهه العام الماضي، ما يعكس حالة من انعدام اليقين والثقة بإدارة إمدادات الطاقة.

غياب المخزون وانكشاف السوق المحلي

تخضع تدفقات المحروقات إلى الضفة الغربية لمحددات "بروتوكول باريس الاقتصادي"، الذي قيد الاستيراد بشروط معقدة وربط السقوف السعرية بالسوق الإسرائيلي. وعلى الصعيد المحلي، يُنظم هذا القطاع بموجب القرار بقانون رقم (5) لسنة 2023 بشأن الهيئة العامة للبترول، والذي يمنح الهيئة صلاحيات واسعة للرقابة وضبط السوق، وينص صراحة على إلزامية توفير "مخزون استراتيجي". غير أن الأزمات المتتالية تثبت أن هذا النص القانوني لم يطبق؛ إذ يقف السوق المحلي أعزلاً أمام أي شح في التوريد الإسرائيلي أو تذبذب في أسواق الطاقة العالمية.
يؤكد هذا الخلل صاحب إحدى محطات الوقود في بيرزيت شمال رام الله، نافياً وجود أي مخزون استراتيجي في الضفة الغربية. ويوضح أن المحطات تعمل بنظام "المياومة"، حيث تبيع ما تفرغه الصهاريج القادمة من الجانب الإسرائيلي أولاً بأول. ويضيف: "نواجه انقطاعات متكررة حين تقلص إسرائيل الكميات الموردة. وفي أوقات الأزمات والحروب يتضاعف الاستهلاك بدافع الذعر؛ فالمواطن الذي اعتاد تعبئة مركبته بـ 150 شيكلاً، بات يطلب وقوداً بـ 500 شيكل، وهو ما يستنزف خزانات المحطات فوراً في ظل غياب أي إمداد احتياطي".
وتتضح فداحة الأزمة بلغة الأرقام؛ إذ يبلغ الاحتياج اليومي للضفة الغربية نحو 4 ملايين لتر من الوقود توزع على 240 محطة، إلا أن الإمدادات تراجعت في فترات الأزمة لتصل إلى 2.5 مليون لتر. تزامن هذا التذبذب مع قفزات سعرية حادة أقرتها هيئة البترول، حيث ارتفع لتر البنزين (95) بواقع 1.05 شيكل، ولتر السولار—عصب النقل وتشغيل المنشآت—بواقع 2.44 شيكل، فيما قفزت أسطوانة الغاز المنزلي بنحو 20 شيكلاً.

التحوط القسري وتعميق التفاوت الطبقي

تتوازى هذه الهزات في قطاع الطاقة مع ركود اقتصادي غير مسبوق يضرب الضفة الغربية، مدفوعاً بأزمة المقاصة التي انعكست على رواتب القطاع العام، وانهيار سوق العمل داخل الخط الأخضر، وتفشي البطالة والتضخم. بالمقابل، يفسر ياسين "التحوط القسري" بأنه "نابع من الخوف المحض"، مشيراً إلى أنه وإلى جانب استهلاكه الطبيعي، قام بشراء 50 لتراً من البنزين وثلاث أسطوانات غاز وتكديسها في منزله.
هذا النمط من الاستهلاك، الذي يؤكده أصحاب المحطات، ويتمثل ببتوافد المواطنين لتعبئة عشرات "الجالونات" البلاستيكية، يقود إلى انعكاسات اجتماعية وأمنية. ففي حين يمتلك المقتدرون مالياً سيولة نقدية تسمح لهم باحتكار الوقود وتخزينه، يُترك المواطن محدود الدخل عالقاً في الطوابير وعاجزاً عن تأمين احتياجه اليومي. وبينما تعجز المؤسسات الرسمية ذات العلاقة عن مواجهة هذه الأزمات، يبرز الارتباط القسري بالمورد الإسرائيلي كعائق سيادي يعطل أي استقرار في قطاع الطاقة، وهذا ما يؤكد عليه نقيب أصحاب محطات المحروقات، سامر أبو حديد، الذي حذر من أن الأزمة الأخيرة ليست عابرة، بل تمثل اختناقاً هيكلياً يتطلب قرارات استراتيجية عاجلة.

الاستيراد المباشر والانتقال للطاقة النظيفة كحلول متاحة

يرى الباحث الاقتصادي د. طارق عاشور أن الأزمة تتمثل بوجود فجوة عميقة بين التشريع والتطبيق، مشيراً إلى الدور المغيب للمؤسسات الناظمة في التخطيط والرقابة الصارمة، خاصة في تسعير الغاز، فضلاً عن انعدام الشفافية في التواصل مع الجمهور. منوهاً إلى غياب التوازن بين مصالح القطاع الخاص المتمثل في شركات التوزيع، وحق المواطن في الحصول على طاقة بأسعار عادلة.
ويطرح عاشور مقاربة واقعية تتجاوز المطالبات التقليدية بإنشاء خزانات استراتيجية داخل المدن الفلسطينية؛ مبيناً أن هذا الخيار يصطدم بعقبة السيطرة الإسرائيلية على المناطق المصنفة (ج) والتي تُمثل الأراضي الوحيدة الشاسعة والمناسبة لمثل هذه المنشآت. مقترحاً تفعيل البند المعطل في بروتوكول باريس الذي يتيح الاستيراد المباشر، عبر دفع "صندوق الاستثمار الفلسطيني" لقيادة شراكات سيادية تستثمر في استيراد الغاز والنفط وتخزينه في صوامع استراتيجية بمدينة أريحا، أو عبر ترتيبات لوجستية عابرة للحدود بالتعاون مع الأردن.
وعلى المدى الاستراتيجي، يدعو عاشور إلى التعامل مع أزمة المحروقات كدافع لتسريع التحول نحو الطاقة النظيفة، ويرى أن الاعتماد الكثيف على الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء محلياً، مقترناً بسياسات ضريبية وجمركية صفرية لتشجيع استيراد السيارات الكهربائية، من شأنه أن يقوض حجم الاعتماد الكلي على المحروقات الإسرائيلية.
لم تعد المحروقات مجرد سلعة اقتصادية، إذ أصبحت تمثل، في السياق الفلسطيني، إحدى أدوات الخنق والتقييد التي توظف ضد المجتمع الفلسطيني، ما يستوجب هندسة سياسات طاقة سيادية، خاصة أن تكرار الأزمة وعودة قد تحمل انعكاسات اجتماعيات ذات أثر عميق.
قمر البرغوثي
بقلم

طالبة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، وأسعى إلى سياسات طاقة عادلة ومستدامة تعزز الاستقلال الاقتصادي

عرض جميع المقالات
لا توجد تعليقات حتى الآن

لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.

أضف تعليق