العودة إلى المدونة

سياسات قطاع الزراعة: المزارع الفلسطيني أمام مقصلة سلاسل التوريد
لم تعد التحديات التي تعصف بالمزارع الفلسطيني في الضفة الغربية محصورة في طبيعة المتاعب اليومية ومخاطر الإنتاج

رام الله- روتانا جمال- منصة ظل
لم تعد التحديات التي تعصف بالمزارع الفلسطيني في الضفة الغربية محصورة في طبيعة المتاعب اليومية ومخاطر الإنتاج، بل امتدت لتشكل واقعاً صعباً في مرحلة جني المحاصيل وما بعدها. في إحدى قرى غرب رام الله، يقف المزارع مهدي البرغوثي صباحاً على أطراف أرضه متفقداً محاصيله بعد أشهر من الاستنزاف المالي والبدني. ورغم وفرة الإنتاج التي تشكل للوهلة الأولى قصة نجاح، ينظر البرغوثي بقلق بالغ إلى صناديق الخضار المتكدسة، مدركاً أن الأزمة الحقيقية.
يقر البرغوثي سلفاً أن جزءاً كبيراً من هذا الانتاج قد لا يصل إلى السوق في الوقت المناسب، حيث يصطدم التسويق الزراعي بتشوهات مركبة تبدأ بالطرق غير المضمونة في ظل الانتشار الاستيطاني وتضييقات الاحتلال، مروراً بارتفاع تكاليف النقل وغياب مراكز التخزين، وصولاً إلى تقلبات الأسعار. وفي قراءة لهذا الواقع، يؤكد البرغوثي أن نجاح الموسم بات مرهوناً بقدرة المنتج على اختراق السوق وليس بوفرة الإنتاج وحدها، مشيراً إلى أن معاناته تعكس حال عشرات المزارعين الذين يجدون أنفسهم الطرف الأضعف في سلسلة توريد طويلة. هذا الخلل البنيوي ينقل الأزمة من "مرحلة ما قبل الإنتاج" إلى "ما بعد الحصاد"، ما يضرب في مقتل قدرة القطاع الزراعي على توفير دخل آمن ومستقر للعائلة الفلسطينية.
التبعية الهيكلية: الاستيراد يسقط الزراعة بالنقاط
لا تمثل تجربة البرغوثي مجرد تعثر فردي، بل هي تجسيد لغياب السياسات الناظمة لسلاسل التوريد الزراعية؛ تلك الحلقات المعقدة التي تشمل النقل، التخزين، التسويق، والتوزيع، والتي تتداخل فيها عوامل اقتصادية تحدد قدرة المزارع على تحقيق عائد عادل. ولا يمكن تفكيك هذه الأزمة بمعزل عن السياسات الحكومية التي تدير مدخلات الإنتاج.
وفي هذا السياق، يوضح مسؤول فني في وزارة الزراعة أن بداية السلسلة الزراعية في فلسطين تعاني من ارتهان كامل للاستيراد، كاشفاً عن أن ما يقارب 95% من البذور، إلى جانب معظم الأسمدة، تُستورد من الخارج، بينما يُنتج جزء محدود جداً من الأشتال محلياً.
تنعكس هذه التبعية بشكل صارخ على الأمن الغذائي والاقتصاد الوطني، وهو ما يفككه مدير عام الأبحاث والسياسات في وزارة الاقتصاد الوطني، رشاد يوسف، بالإشارة إلى الاعتماد المفرط على استيراد مدخلات الزراعة والثروة الحيوانية. ويوضح يوسف أن قيمة استيراد الأعلاف تجاوزت 440 مليون دولار في سنوات سابقة، في حين لا تغطي المصانع المحلية سوى 25% إلى 30% من احتياجات السوق، رغم افتتاح مصنعين مؤخراً؛ مما يجعل هذا القطاع رهينة لتقلبات الأسواق العالمية قبل أن تُزرع بذرة واحدة في الأرض.
المزارع ضحية الوسطاء
تتبنى السياسات الحكومية محاولات للتدخل، حيث يشير مدير عام الإرشاد في وزارة الزراعة، صلاح البابا، إلى أن الوزارة تعمل على ضبط استيراد الأعلاف والمبيدات وفق شروط فحص الجودة، وتدعم المزارعين بالبذور والأسمدة والتدريب. ويمتد هذا الدور، وفقاً للبابا، لتقليل الفاقد عبر مشاريع "ما بعد الحصاد" كإنشاء بيوت التعبئة، وتوفير ثلاجات التبريد ووسائل النقل المبردة بالشراكة مع مؤسسات دولية. وعلى مستوى التسويق، تحاول الوزارة تقليص هيمنة الوسطاء عبر تشجيع التسويق المباشر والمهرجانات التسويقية، مع توجه لتعزيز التجارة الإلكترونية.
لكن هذه الطموحات السياساتية تصطدم بواقع اقتصادي مرير يكشفه يوسف، مسلطاً الضوء على التفاوت الصارخ في توزيع العائدات؛ إذ يضطر المزارع لبيع منتجه بسعر يتراوح بين 3 إلى 4 شواكل للكيلوغرام، بينما يصل ذات المنتج للمستهلك بأكثر من 10 شواكل. هذا الفارق الشاسع يبتلعه تعدد الوسطاء وتكاليف النقل، مما يحول هامش الربح بالكامل لصالح شبكات التوزيع، ويترك المزارع ضحية لاختلال التوازن داخل السلسلة. وتتعمق الأزمة مع غياب التمويل المحلي الكافي، إذ ينوه البابا إلى أن موازنة وزارة الزراعة لا تتجاوز 1% من النفقات الرسمية التي تبتلعها الرواتب والنفقات التشغيلية، ما يبقي المشاريع التطويرية رهينة لتمويل خارجي آخذ في التراجع.
لا تقتصر التشوهات على السوق المحلي، بل تتقاطع مع عنف الاحتلال الممنهج الذي يشكل عائقاً استراتيجياً أمام استدامة السلاسل الزراعية. فالقيود المفروضة على الحركة تعيق وصول المزارعين لأراضيهم وأسواقهم، وتضاعف من نسبة الفاقد في المحاصيل بشكل يومي. وما يزيد المشهد تعقيداً هو التوسع المفرط في "الاستيطان الرعوي"، الذي بات يبتلع ويسيطر على ما يزيد عن 65% من الأراضي، مقلصاً المساحات الزراعية المتاحة وخانقاً أي أفق لتطوير بنية تحتية زراعية متماسكة.
نحو سيادة غذائية وتوزيع عادل للفرص
بين حقلٍ محاصر وسوقٍ يتحكم به الوسطاء، يبقى المزارع الفلسطيني عالقاً في مقصلة لا تعكس حجم جهده الحقيقي. ومع ذلك، تبرز حاجة ملحة لتبني سياسات تعيد التوازن للسلسلة، بدءاً من تمكين التسويق المباشر الرقمي، وتوفير مخازن تبريد مركزية، وتفعيل الزراعة التعاقدية لتقليل الفجوة بين المنتج والمستهلك. أما على المدى الاستراتيجي، فإن كسر هذه الحلقة المفرغة يتطلب تقليل الاعتماد على الاستيراد عبر توطين صناعة الأعلاف المركبة، وتأسيس بنوك بذور وطنية تحفظ الأصناف المقاومة للجفاف، وتوسيع دعم المشاريع الزراعية الصغيرة. في النهاية، لا يقتصر رهان القطاع الزراعي على "إنتاج الغذاء"، بل يمتد إلى هندسة سياسات تعيد توزيع الفرص بإنصاف، ليتحول المزارع الفلسطيني من حلقة أضعف تُستنزف مواردها، إلى شريك سيادي يحصد العائد الحقيقي لصموده في أرضه.
لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.