العودة إلى المدونة
نحو تأطير سياساتي للكتابة الإعلامية في فلسطين
شهدت السياسات الإعلامية الفلسطينية تحولات بنيوية متعاقبة، تأثرت بتغير السياقات المكانية والمعيارية المرتبطة بمسار القضية الفلسطينية على المس
شهدت السياسات الإعلامية الفلسطينية تحولات بنيوية متعاقبة، تأثرت بتغير السياقات المكانية والمعيارية المرتبطة بمسار القضية الفلسطينية على المستويين السياسي والاجتماعي. فقد انتقلت من إطار الثورة بوصفها حاضنة للفعل التعبوي في الخارج، إلى سياق الدولة بما يحمله من متطلبات تنظيم الخطاب وبنائه المؤسسي في الداخل، مرورًا بتجربة المخيم باعتباره فضاءً لإنتاج الوعي وإعادة تشكيل الهوية السياسية في ظل شروط اللجوء والتشظي.
ولم تعد هذه التحولات مجرد انتقالات تاريخية، بل أسهمت في إعادة تشكيل وظيفة الإعلام الفلسطيني وحدود اشتغاله، في ظل بيئة جغرافية وسياسية متفككة تخضع لمنظومات سيطرة احتلالية متعددة. وعلى الرغم من تشابه بيئات المكان، فإنها أصبحت أكثر تصدعًا؛ إذ انتقل المشهد من فضاء المخيم بوصفه حيزًا جامعًا، إلى واقع تحكمه منظومات السيطرة والإبادة في الضفة الغربية والقدس، حيث تتقاطع أنماط الإبادة الصامتة مع الإبادة الصلبة القائمة على المحو بالقوة العسكرية. ويعكس ذلك سعي الاحتلال إلى إعادة تشكيل المجالين السكاني والرمزي عبر سياسات تفريغ تدريجي، تفضي في محصلتها إلى تقويض الوجود الفلسطيني واستهداف قضيته.
وفي هذا الإطار، تبرز إشكالية بنيوية في بنية السياسات الإعلامية الفلسطينية، تتمثل في التباين بين الإعلام الرسمي والخاص والحزبي، وما ينتجه ذلك من تعددية غير منضبطة في بناء الرواية الإعلامية. فعلى الرغم من الكثافة العالية للإنتاج الإعلامي واتساع نطاق بثه، خاصة في ظل تصاعد جرائم الاحتلال واستمراريتها، فإن هذا الزخم يفتقر إلى إطار سياساتي ناظم يضمن تماسك السردية الوطنية. وعليه، لا تكمن المعضلة في محدودية الحضور الإعلامي، بل في تشظي الموضوعات والصياغات، حيث تُقدَّم الحالة الفلسطينية ضمن ثنائيات متناقضة (الصمود/الضعف، الانتصار/الهزيمة)، بما ينتج صورة غير مستقرة في وعي المتلقي.
ويتعمق هذا التشظي نتيجة تعدد المرجعيات السياسية والجغرافية، بما يعزز أنماط التلقي الانتقائي لدى الجمهور عالميًا، سواء على أساس الانتماء الفكري أو الجغرافي، بحيث يجري التعامل مع المعازل الفلسطينية بمعزل عن كليتها. ويفضي ذلك إلى تفكك الرواية الإعلامية الجامعة، وتراجع قدرتها على تمثيل فلسطين بوصفها كيانًا سياسيًا ورمزيًا متماسكًا. وهو ما يبرز الحاجة إلى تأطير سياساتي للكتابة الإعلامية، يعيد ضبط العلاقة بين الإنتاج الإعلامي وأهدافه الاستراتيجية، ويؤسس لسردية وطنية متماسكة وقابلة للتراكم.
إن غياب إطار سياساتي منظم للكتابة الإعلامية في فلسطين يؤدي إلى إنتاج سردية إعلامية متشظية، على الرغم من الكثافة العالية في حجم الإنتاج وبثه المستمر، وهو ما يحد من فاعلية الخطاب الإعلامي في تمثيل القضية الفلسطينية بشكل متماسك وقابل للتراكم.
من هنا، فأن وضع تأطير علمي للسياسات الإعلامية، مستند إلى مبادئ التفكير الاستراتيجي ومنهجيات السياسات العامة، يمكن أن يعيد ضبط العلاقة بين الفاعلين الإعلاميين ويوحّد محددات الخطاب، بما يعزز قدرة الرواية الإعلامية الفلسطينية على التأثير بشكل متكامل، واستدامة حضورها في الفضاءين المحلي والدولي.
تنطلق قواعد التأطير الإعلامي من تعزيز الفاعلية والتأثير، أي توجيه السردية الإعلامية نحو تمثيل القضية الفلسطينية بصورة متماسكة ومستدامة، قادرة على مواجهة التحديات الإقليمية والدولية، وتحقيق التأثير المطلوب لدى الجمهور المحلي والدولي، بما يعكس الأهداف الوطنية العليا.
وتمتد إلى تطوير نموذج تأطيري علمي للسياسات الإعلامية في فلسطين، مستند إلى مبادئ التفكير الاستراتيجي ومنهجيات السياسات العامة، بحيث يُنظر إلى الإعلام كأداة استراتيجية تتفاعل مع البيئات السياسية والاجتماعية والجغرافية المتغيرة، ويتيح ضبط محددات الخطاب الوطني وضمان تماسك السردية الفلسطينية عبر جميع أشكال الإنتاج الإعلامي.
لا تنشأ وسائل الإعلام في فراغ، بل تتشكل بوصفها انعكاسًا تفاعليًا للبيئات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية والعلمية المحيطة بها. وفي سياق صياغة السياسات العامة، تؤدي وسائل الإعلام دورًا محوريًا في تشكيل الإطار المجتمعي الذي تتم ضمنه عمليات صنع القرار، من خلال التأثير في تحديد القضايا، وبناء الأولويات، وتوجيه النقاش العام. وقد ذهب عدد من المنظرين إلى أن الإعلام لا يقتصر دوره على مرحلة بعينها، بل يمتد ليشمل مختلف مراحل دورة السياسات العامة، من تحديد المشكلات إلى التقييم والمراجعة.
وعلى الرغم من تراكم الأدلة الدالة على قوة تأثير الإعلام في عمليات رسم السياسات العامة، فإن البحث العلمي المتخصص في تحليل طبيعة هذه العلاقة لا يزال محدودًا نسبيًا، ويعاني من فجوات منهجية ومعرفية تستدعي مزيدًا من الدراسة والتأصيل. وتشير أبحاث السياسات العامة إلى أن الإعلام يُعد فاعلًا غير رسمي في دورة صنع السياسات.
يلعب الإعلام دورًا رئيسيًا في رسم السياسة العامة وصنع القرار، حيث يعد الإعلام متغيرًا مستقلًا بذاته، وكل من السياسات العامة وصنع القرار متغيرًا تابعًا، ولتوضيح هذه المعادلة، يمكننا افتراض أن وسائل الإعلام تلعب دورًا إيجابيا في رسم السياسة العامة وصنع القرار، لأن قدرتها تكمن في التأثير في الرأي العام وتشكيله، وهذا عن طريق مثلًا إعطاء القراء والمشاهدين معلومات حول القضايا التي تشغل بالهم، كذلك تعتمد عليه الحكومات في مراقبة حالة الرأي العام، ولمعرفه القضايا التي يرى الجمهور العام أنه يتعين عليها معالجتها.
في أعوام قريبة، شكّل وباء كوفيد-19 مثالًا واضحًا على ذلك؛ حيث أدرك صانعو السياسات في الدول الغربية طبيعة الأزمة كنافذة فرصة، فتم تبنّي حلول سريعة مثل تعزيز الحكومة الإلكترونية، وتوسيع خدمات الصحة عن بُعد، وإجراءات الدعم الاقتصادي الطارئ. وبالتوازي، لعب الإعلام دورًا محوريًا في تضخيم المخاطر، ونشر الوعي، ودعم حملات السياسات، كما حدث في توصيف العنف ضد المرأة بـ "وباء الظل"، وهو تأطير إعلامي أسهم في دفع الحكومات إلى تبني سياسات حماية وتدخلات عاجلة.
ويُعدّ الإعلام أحد المكونات البنيوية في عملية الاتصال السياسي، بوصفه المجال الذي تتقاطع فيه تدفقات المعلومات مع آليات تشكيل الرأي العام وتوجيهه. فهو لا يقتصر على نقل الوقائع، بل يشارك في بناء المعاني السياسية من خلال وظائفه الأساسية، وفي مقدمتها التأطير الإعلامي الذي يحدد كيفية إدراك القضايا وتفسيرها، وصناعة السردية التي تعيد تنظيم الأحداث ضمن أطر تفسيرية متماسكة تمنحها دلالات سياسية واجتماعية ممتدة. ومن خلال هذا التفاعل، يتحول الإعلام إلى وسيط فاعل في إنتاج المعرفة السياسية وتشكيل الوعي العام، بما ينعكس مباشرة على ديناميات السياسات العامة ومسارات صنع القرار.
كما أن الاتصال السياسي أحد المرتكزات الأساسية في عملية صنع السياسات العامة، إذ يشكّل القناة التي تتفاعل من خلالها مختلف الأطراف المعنية، سواء صُنّاع القرار أو الجمهور. وفي هذا الإطار، تتجه الدراسات الحديثة في مجال الإعلام وعلوم الاتصال إلى التركيز على التحولات البنيوية التي أحدثها التطور التكنولوجي، لا سيما ما يتعلق بالتحول الرقمي، وصعود الإعلام الاجتماعي، وتنامي دور الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى وتوجيهه. وقد أسهمت هذه التحولات في إعادة تشكيل أنماط العلاقات الإنسانية، وآليات تداول المعلومات، وحدود التأثير الإعلامي، بما أفرز بيئات اتصال أكثر تعقيدًا وتشابكًا. وبالتوازي مع ذلك، برزت قضايا جديدة على أجندة البحث العلمي، من بينها أخلاقيات الاتصال في الفضاء الرقمي، وخطاب الكراهية، وانتشار المعلومات المضللة، وما تفرضه هذه التحديات من ضرورة تطوير أطر تنظيمية ومعرفية قادرة على ضبط الفضاء الإعلامي وتعزيز دوره في دعم النقاش العام الرشيد وصنع السياسات المستندة إلى المعرفة.
أما التأطير الإعلامي عبر (الاتصال السياسي)، فيعد من الآليات المركزية التي يسهم من خلالها الإعلام في تشكيل إدراك الجمهور للقضايا العامة، وذلك عبر الطريقة التي تُقدَّم بها المعلومات، سواء من خلال إبراز جوانب محددة أو تهميش أخرى. فالإطار لا ينقل الحدث بوصفه معطىً موضوعيًا فحسب، بل يعيد تنظيمه دلاليًا بما يؤثر في تفسيره وفهمه داخل وعي المتلقي.
ويمتد هذا النطاق ليشمل بناء سرديات تفسيرية تعيد صياغة الواقع ضمن أطر دلالية متماسكة، لا سيما في القضايا الوطنية وسياقات النزاع. فالسردية الإعلامية تعمل على تنظيم الأحداث وربطها ضمن تسلسل معنوي يوجّه فهم الجمهور ويمنحها أبعادًا رمزية وسياسية تتجاوز معطياتها المباشرة.
وفي هذا السياق، لا تُعدّ السردية حكرًا على العمل الصحفي، بل تمثّل مخرجًا إعلاميًا مركبًا يتشكل عبر مجالات متعددة، سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، حيث يسهم مختلف الفاعلين في إنتاجها وتداولها. وبذلك، تغدو السردية نتاجًا كليًا يعكس بنية المجتمع وخطابه، ويتوجب أن يسهم في تشكيل رواية جمعية متماسكة تعبّر عن هويته وتوجهاته. وينتج عن صناعة السردية أثرًا في:
إن فاعلية الإعلام لا تُقاس بحجم الإنتاج أو مدى الانتشار الكمي، بل بقدرته النوعية على التأثير في بنية الإدراك العام وتوجيهه. فالإعلام يصبح أكثر تأثيرًا حين ينجح في تحديد القضايا ذات الأولوية، وتأطيرها ضمن أطر تفسيرية واضحة، ثم إعادة إنتاجها في شكل سرديات متماسكة تربط بين الوقائع والمعاني، وتنسجم مع أهداف السياسات العامة.
ومن الجدير ذكره بأن البيئة الرقمية، تضاعف هذا التأثير بفعل خصائصها البنيوية، لا سيما التكرار (Repetition)، والانتشار الشبكي (Virality)، وآليات عمل الخوارزميات التي تعيد إنتاج المحتوى وتوسّع نطاق وصوله. وتشير الأدبيات الحديثة في الإعلام الرقمي، كما في أعمال Cass R. Sunstein، إلى أن التعرض المتكرر للمحتوى وانتشاره عبر الشبكات الرقمية يسهمان في ترسيخ المواقف والاتجاهات بصورة تفوق تأثير الرسائل المنفردة، بما يعزز من مركزية الإعلام بوصفه أداة فاعلة في تشكيل الرأي العام وتوجيهه ضمن سياقات سياساتية محددة.
الإعلام والسياسات العامة: من التأطير إلى صناعة السردية.
إن عملية صنع السياسات العامة، من الناحية التأطيرية والمنهجية العلمية، تمرّ بمجموعة من المراحل المتتابعة، تبدأ بتحديد القضية، ثم البحث والتوثيق، يليها إجراء الاستشارات والحوارات، وصولًا إلى صياغة السياسات العامة واعتمادها.
وفي هذا السياق، فإن علم السياسات العامة والتفكير الاستراتيجي ينطلق في جوهره من لحظة إدراك المشكلة السياساتية وتحليلها، ويمر عبر خطوات منهجية متكاملة وصولًا إلى صياغة البدائل والحلول السياساتية، ومن ثم تقديمها إلى صناع القرار لاتخاذ القرار السياساتي المناسب بشأنها، تمهيدًا لمرحلة التنفيذ والتطبيق.
وتُعدّ مشكلات المجتمع السياساتية متعددة ومتنوعة ومتغيرة عبر الزمان والمكان، وهنا يبرز دور الإعلام في تسليط الضوء عليها، وإثارتها، وتقديم كتابات وتحليلات حولها، بما يجعلها ضمن دائرة الاهتمام العام وصناعة القرار.
تبرز القضايا التي تهم الباحثين في الكتابة الإعلامية السياساتية، والتي يمكن تناولها ضمن عدة محاور أهمها تحديد القضية الإعلامية، وسؤالها، والمشكلة السياساتية، وطرح البدائل والحلول.
لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.