العودة إلى المدونة
آراء في السياسات

كيف يتم احتواء الأزمات الاقتصادية في فلسطين وما هي السياسات المتبعة لاحتواء الأزمة؟

5 دقائق قراءة 27 أبريل 2026

فإن السؤال الدائم: كيف تعاملت الحكومات المتعاقبة مع الأزمات الاقتصادية ضمن الحدود الضيقة المتاحة؟


قبيل البدء بالحديث حول السياسات والإجراءات التي تقوم بها الحكومة الفلسطينية، سواء كانت سياسة أقرب للنهج النيوليبرالي أو سياسات تضامنية، لا بد من الإشارة إلى أن الهامش المتاح لاتخاذ أي قرارات أو أي سياسات تبقى محصورة وضيقة، وفعليا لا يوجد هناك سياسة نقدية، تبعا لأن العملة المتداولة بالشيقل، والمتحكم بالفائدة "اسرائيل"، أما السياسات المالية والتي تعبر مجموعة الإجراءات الحكومية المرتبطة بجمع الضرائب والإنفاق العام تبقى أيضا محدودة، تبعا لأن مجموعة من الضرائب مرتبطة بالضرائب لدى دولة الاحتلال مثل ضريبة القيمة المضافة وضريبة البلو وغيرها. وبالتالي فإن تحكم الحكومة الفلسطينية بالسياسات يبقى محدودا تبعا لتشابك وسيطرة الاحتلال على الاقتصاد الفلسطيني. 
ومع ذلك فإن السؤال الدائم كيف تعاملت الحكومات المتعاقبة مع الأزمات الاقتصادية ضمن الحدود الضيقة المتاحة.
انتهجت السلطة الفلسطينية منذ تأسيسها منهج السوق الحر، حيث جاء في القانون الأساسي الفلسطيني في المادة رقم (21) يقوم النظام الاقتصادي في فلسطين على أساس مبادئ الاقتصاد الحر، ويجوز للسلطة التنفيذية إنشاء شركات عامة تنظم بقانون، وشرعت السلطة الفلسطينية بالعمل على مجموعة من القوانين التي تسهم في تعزيز الاستثمارات في فلسطين، مثل قانون تشجيع الاستثمار، وقانون الشركات وغيرها من القوانين، إلا أن جل الاستثمارات كانت مبنية على الإنتاج الخدماتي في قطاعات غير قابلة للتداول التجاري وليس إلى أنشطة إنتاجية، أي في الصناعات التي تولد إنتاجا قابلا للتداول، وتولد نمواً طويل الأجل. كما لجأت السلطة الفلسطينية إلى دعم قطاع الخدمات والتجارة لتحقق الأرباح والضرائب والجمارك بشكل أسرع، على حساب القطاع الصناعي والزراعي، إذ انخفضت مساهمة قطاعي الزراعة والصناعة من الناتج المحلي الإجمالي كنسبة من 27% عام 1994 إلى 17% عام 2021، وبالتالي فإن جل السياسات الاقتصادية كان تسعى لتعظيم الإيرادات والضرائب، وتضخيم حجم الناتج المحلي الاجمالي، دون دعم القطاعات او توجيه القطاعات الانتاجية، علما ان الباحثين والخبراء في مجال الاقتصاد كانوا قد أشاروا لهذا الأمر منذ نهاية التسعينات ومع ذلك لم تتغير السياسات المتبعة ولا زال الإهمال مستمراً لدعم القطاعات الإنتاجية التي تولد نمواً طويل الأجل. 
ومن جانب آخر أطر بروتوكول باريس شكل العلاقة بين الاقتصادين (الفلسطيني والإسرائيلي) حيث أكد هذا البروتوكول شكل العلاقة اللامتكافئة، ودوره في تقويض ونكوص التنمية، حيث شكل البروتوكول أداة للهيمنة والسيطرة على الاقتصاد الفلسطيني، وبالتالي ومع أي متغيرات سياسية، يستخدم الاحتلال الأدوات الاقتصادية كعقوبات تفرض على الفلسطينيين وتخنق أي إمكانيات للنهوض، على سبيل المثال المقاصة، والتي تشكل العصب الأساسي في الموازنة، وبالتالي فإن وقف ضخ أموال المقاصة، يهدد من إمكانيات استمرار الحكومة.
وعلى الرغم من الإدراك التام لطبيعة العلاقة الاقتصادية مع الاقتصاد الإسرائيلي، والفهم والادراك لماهية السياسية الاقتصادية الإسرائيلية تجاه الأراضي الفلسطينية، إلا أنه لم يتم حتى الآن اتخاذ القرارات التي تحاول الانفكاك عن هذه التبعية، وفي كل أزمة يصطدم بها الاقتصاد الفلسطيني، تثبت مدى الهشاشة في هذا الاقتصاد ومن ثم تأتي الحلول لتكريس الأزمة بدلا من معالجتها. 
فعلى سبيل المثال أظهرت جائحة كورونا ضعف الحكومة الفلسطينية في مجال الحماية الاجتماعية، إذ لم يكن هناك قاعدة بيانات توضح عدد العمال في فلسطين المحتلة، الأمر الذي أعاق عملية حصر المتضررين من الجائحة، كما لم يكن هناك إمكانيات لدعم المتضررين من الجائحة، وبالتالي لجأت الحكومة لدعم وتخفيف أضرار الجائحة من خلال دعم القروض الميسرة، أو تأجيل دفعات القروض (علماً بأن التأجيل يعني زيادة الفوائد)، بالإضافة إلى أن قرابة 75% من موظفي القِطاع العام هم من المقترضين، وقرابة 60% من الموظفين في القطاع العام يتقاضون رواتب أقل من 3000 شيقل. بمعنى أن سياسات الحكومة لدعم التسهيلات البنكية وتسهيل الحصول على قروض، في معظمها كانت قروض استهلاكية، أدت إلى تعميق الأزمات الاقتصادية، وخنق المواطن الفلسطيني ودفعه نحو تعزيز ثقافة الاستهلاك. كما لم لم تستطع الحكومة الفلسطينية تقديم الدعم للعمال الذين كانوا يعملون في السوق الاسرائيلي، والذين تم تعطيلهم لفترات. 
وها نحن اليوم نصدم بأزمة اقتصادية أشد وطأة، ومع ذلك لا زالت الحكومة الفلسطينية تراوح في نفس الحلول والإمكانيات، وعلى سبيل المثال قضية العمال الذين كانوا يعملون في السوق الاسرائيلية، حيث تم تجميد التصاريح وايقافهم عن العمل، وعلى ضوء ذلك قامت الحكومة الفلسطينية بتوفير التأمين الصحي المجاني لهؤلاء العاملين، كما حاولت وزارة لعمل البحث عن فرص عمل لهم، إلا أن الأزمة الموجودة أي تعطيل قرابة 200 ألف عامل كانوا يعملون في السوق الاسرائيلي أصبحوا بلا عمل، هي أزمة مركبة لا يمكن احتوائها، نظرا لضعف إمكانيات الاقتصاد الفلسطيني وقدرته على احتواء هؤلاء العمال، كما أن تدهور الوضع الاقتصادي، أثر أيضا على العمال في السوق المحلي، وارتفعت نسب البطالة بشكل ملحوظ. فعليا استمرت الحكومة في ذات النهج المتبع، دون محاولة العمل على تعزيز القاعدة الانتاجية، فقد لجأت على سبيل المثال لعرض فرص عمل في قطر، وبالتالي ترحيل العمال للعمل في قطر، ولا يقتصر الأمر على العمال الحرفيين او المهنيين وإنما كانت الفرصة للأكاديمين والمتعلمين، وهنا يبرز السؤال، أما كان الأجدر الضغط باتجاه خلق مشاريع إنتاجية داخل فلسطين، والاستثمار في داخل فلسطين، بدلا من استخدام نفس الأدوات السابقة والتجارب السابقة واللجوء نحو العمل في الخارج. 
بالفعل إن تجربة العمل في دول الخليج، كما أن تجربة العمل في السوق الاسرائيلي، أسهمت في خلق تشوهات في سوق العمل، وتراجع الإنتاج المحلي، وأصبح الاقتصاد الفلسطيني معتمدا بشكل أساسي على التحويلات الخارجية الدافعة لحركة الاقتصاد. إذ بلغت التحويلات المالية من العمال داخل الخط الأخضر قرابة 3 إلى 4 مليار دولار سنويا قبل الحرب، أي ما يعادل أكثر من نصف موازنة السلطة الفلسطينية. وبالتالي فإن اللجوء لذات الحلول، والبحث عن فرص عمل بالخارج، سوف تحول دون خلق قواعد إنتاجية في فلسطين، دون العمل على خلق قاعدة إنتاجية قادرة على استيعاب فائض العمالة، كما ان التجارب السابقة أثبتت أنه في ليلة وضحاها يتم الاستغناء عن هؤلاء العمال وترحيلهم، بمعنى أن عملهم غير مستدام. 
لا توجد تعليقات حتى الآن

لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.

أضف تعليق