العودة إلى المدونة
آراء في السياسات

البنية الرقمية للمؤسسات الثقافية الفلسطينية في ظل الحرب

5 دقائق قراءة 27 أبريل 2026

عيش فلسطين تحت استعمار ثقافي رقمي لا يقل خطورة عن احتلال الأرض وحكايتها التاريخية وفضائها الرقمي.

تعيش فلسطين تحت استعمار ثقافي رقمي لا يقل خطورة عن احتلال الأرض وحكايتها التاريخية وفضائها الرقمي.
وعلى الرغم من أن انتشار الإنترنت في العالم بدأ منذ وقت طويل وتزامن مع توقيع اتفاقية أوسلو وتأسيس السلطة الفلسطينية في بداية التسعينات، إلا أن هذا لم ينعكس على صعيد تحصين التراث والثقافة الفلسطينية، بل أضاف الاحتلال الإسرائيلي لممارساته الهادفة إلى سرقة تراثنا وسيلة جديدة أكثر انتشاراً تروج لـ"التراث الإسرائيلي المزعوم" عبر هذه الشبكة العالمية التي يستخدمها أكثر من نصف سكان العالم. 

الاستعمار الرقمي

لم يعد الفلسطيني يرزح تحت استعمار مادي فقط بل واستعمار رقمي متكامل، يشمل امتلاك التكنولوجيا والسيطرة على الفضاء الرقمي، وليس فقط الإرث والأرض، مما يعني المزيد من العمل الممنهج لتجريد الفلسطينيين من ذاكرتهم وحقهم في الحفاظ عليها ومحاصرتها رقمياً.
يمتلك الاحتلال السيطرة الكاملة على الطيف الترددي –أي موجات البث الراديوي والتلفزيوني والاتصالات- وعلى شبكة الإنترنت ومفتاح الاتصال الدولي وعلى الحدود التي يُمنع عبرها إدخال أجهزة ومعدات تقنية تدعم البنية الرقمية في فلسطين ومواكبتها للتطورات العالمية.
كما حرم الاحتلال سكان القطاع من خدمات الجيل الثالث فيما سمحت بها في الضفة عام 2018 بعد أكثر من عشر سنوات من المفاوضات، ولم تسمح لاحقاً بأي خدمات متقدمة أخرى مثل الجيلين الرابع والخامس.
ناهيك عن حرب الإبادة التي شنها الاحتلال على قطاع غزة، والتي أدت إلى خروج ثلثي أبراج الاتصالات الخلوية عن الخدمة، وانعدام تغطية الإنترنت كلياً أو جزئياً في معظم المناطق.
ومن هنا لا يمكن الحديث عن الإبادة الثقافية والحرب المستمرة على الرواية الفلسطينية منذ ما قبل النكبة دون الحديث عن فرض السيادة الاستعمارية الرقمية في المدن والقرى والتجمعات الفلسطينية، بشكل يتعارض مع القانون الدولي وحقوق الإنسان.
كشفت أزمة كوفيد-19 حدود إمكاناتنا الرقمية وأوجه القصور، وساهمت في تحديد احتياجات القطاع الثقافي. وإذا كانت غزة تمثل النموذج الأكثر عنفاً من قبل الاحتلال فإن الضفة الغربية بما فيها القدس بحاجة لأن تكون أكثر استعداداً للحفاظ على الإرث الثقافي الفلسطيني والإجابة علمياً على السؤال التالي: هل يعتبر تراثنا الثقافي الفلسطيني محمياً رقمياً؟ هل مؤسساتنا الثقافية جاهزة للعمل في الأزمات والحروب؟
لقد كشفت الأزمات والحروب أوجه القصور في القدرات الرقمية لدى الفنانين والكتاب، لاسيما مع توقف عملهم، رغم بعض المبادرات الفردية الرقمية المعتمدة على مهارات محدودة.
وكشفت حرب الإبادة خطورة تدمير التراث المادي ومقتنيات المثقفين والفنانين وإرثهم الشخصي من كتب ووثائق تؤرخ لحقبة مهمة في التاريخ الفلسطيني وأعمالاً فنية متنوعة، عدا عن استهداف الرموز الثقافية والفنية وما يحملونه من ذاكرة وتجربة كفيلة بأن تؤسس لجيل مثقف وواعي، ضاع معظمها تحت الركام.
ومع ذلك كان الوعي تحت الإبادة منقطع النظير؛ رأينا الفنانين والحكَّائين يواصلون نشاطاتهم الثقافية ويستخدمون أدواتهم البسيطة في إعادة الأمل على وجوه النازحين من جهة، ومن جهة أخرى ينقلون ما لديهم من تراث غير مادي كالحكايات والألعاب الشعبية ورقصات الدبكة الفلسطينية.
هناك فرق دبكة بدأت من الجديد رغم فقدانها أزيائها ومعداتها واستشهاد وإصابة بعض أعضائها، وهناك فرق فقدت أرشيفها الذي يعود لأكثر من أربعين عاماً بفعل الإبادة، وهذا يؤكد أن الاستجابة يجب أن تكون متكاملة الأوجه، بين تخطيط وبنية تحتية واستعداد وتدريب واسع النطاق.
تقع على عاتق القطاعين الحكومي والأهلي، وعلى عاتق المثقفين الفلسطينيين تحديات كبيرة إزاء كل هذا لحماية التراث والمنجز الثقافي بما يشمل الفردي والمؤسساتي في الضفة الغربية والقدس.
إن العمل الثقافي يحظى بدور محوري خلال الأزمات لاسيما في تعزيز الصمود والصحة النفسية والتعلم والتعليم عبر أدوات أكثر تأثيراً من المناهج الدراسية عبر مختلف الفنون والدراما واللعب.

"الجاهزية الرقمية للمؤسسات الثقافية في الضفة الغربية والقدس للعمل تحت الحرب"

في ظل المخطط الإسرائيلي التوسعي الخطير وخطة ضم الضفة، من المهم فحص "الجاهزية الرقمية للمؤسسات الثقافية في الضفة والقدس للعمل تحت الحرب" وهذا كان عنوان دراستي التي صدرت بدعم من مؤسسة صدى سوشيال في رام الله منتصف العام 2025.
اعتمدت الدراسة على الاستمارة كأداة أساسية في البحث والتحليل، شارك فيها 51 مؤسسة تنوعت اختصاصاتها بين التراث والثقافة والأدب والكتب والنشر والفنون البصرية والأدائية والمسرح والموسيقى، وهي مؤسسات نصفها تقريباً تأسس قبل عام ألفين وصولاً إلى العشرينات أي أن لها منجزات قديمة وأصيلة تحاكي التراث والحياة الفلسطينية لفترة طويلة، والنصف الآخر بعد عام ألفين أي مؤسسات معاصرة للرقمنة منذ بداياتها. وكانت قد كشفت أبرز المخرجات فيها عن واقع رقمي غير متوازن داخل المؤسسات الثقافية، إذ إن نحو ثلثي هذه المؤسسات عملت على تطوير المهارات الرقمية لدى موظفيها، مقابل ثلث ما يزال خارج هذا المسار، بما يعكس فجوة رقمية واضحة داخل القطاع. ورغم ذلك، فإن 78% من المؤسسات تصف مهارات موظفيها الرقمية بأنها متوسطة، ما يشير إلى أن الاستخدام الرقمي لا يزال في حدود الأدوات التقليدية أكثر من كونه تحولًا مؤسسيًا متقدمًا. ويتعمق هذا الضعف في البنية التحتية الرقمية، حيث لا تمتلك 65% من المؤسسات أنظمة لحماية البيانات، كما تفتقر 70% منها إلى خوادم أو سيرفرات، بينما لا يستخدم الحوسبة السحابية سوى نحو الثلث، وهو ما يحدّ من قدرتها على التخزين الآمن وإدارة المعلومات بكفاءة. وعلى الرغم من أن 73% من المؤسسات تمتلك مواقع إلكترونية، فإن 41% من هذه المواقع غير فاعلة، بما يقلل من جدواها كمنصات للتواصل والإتاحة الثقافية. وفي السياق نفسه، لم تتجاوز نسبة المؤسسات التي أطلقت مشاريع رقمية 26%، كما أن 37% فقط تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي، رغم ما تتيحه من إمكانات مهمة في حفظ التراث الثقافي وأرشفته وتصنيفه وتحليله. ويبلغ هذا الهشاش الرقمي ذروته في ظروف الأزمات، إذ لا تستطيع سوى 11% من المؤسسات الاستمرار في العمل عن بُعد لمدة عام كامل خلال الحروب، الأمر الذي يبرز الحاجة الملحّة إلى تعزيز الجاهزية الرقمية للمؤسسات الثقافية بوصفها شرطًا أساسيًا للصمود والاستمرارية.
تبين الدراسة وجود مهارات تقليدية رقمية، وثقافة متوسطة، وعدم وجود استراتيجية رقمية لدى القطاع الثقافي وبالتالي هي غير جاهزة للعمل تحت الحرب إلا بصيغة الاستجابة السريعة غير المدروسة، دون أي إطار جامع ولا بوابة رقمية تحفظ كل هذا الإرث والثقافة والفن الفلسطيني. كما أن هذه الأرقام التي تكشف ضعف الجاهزية تعني أنه في كل حرب قادمة نحن معرضون لمحو إضافي لذاكرتنا دون حماية أو خطة بديلة.

الحاجة إلى سيادة رقمية كاملة للحفاظ على ذاكرة 

يشكل الواقع الاستعماري المعيق الأساسي لعملية التنمية وتطوير البنية التحتية، كما يكشف عن انقسام داخلي كبير وضعف وجود سياسات وطنية رقمية في المجال الثقافي، والأخطر أن يكون الإيمان الوطني العميق بالثقافة ودورها الكبير المرافق لكل مراحل النضال الوطني هو مجرد قناعة نظرية لا تنعكس على أرض الواقع حيث تعيش الثقافة وحيدة بلا حاضنة جامعة أو استراتيجية وطنية، وكأن الرقمنة ترفٌ نخبوي في حين أنها حاجة ملحة لاسيما في الواقع الفلسطيني، بل وأداة معتمدة عالمياً لحماية التراث وضمانة حقيقية للتطور والنهوض بالثقافة والفن بحيث تكون عابرة للقارات. 
نحن بحاجة إلى سيادة رقمية كاملة وثقافة راسخة للحفاظ على ذاكرة متصلة ومتماسكة، وحماية دولية مكفولة باتفاقيات التنوع الثقافي وحماية التراث وتحت مظلة المؤسسات الدولية المعنية بالثقافة، يضاف إلى هذا حقنا في السيادة الرقمية بالتحكم في بيئتنا الرقمية الخاصة وضمان الاتصال بشكل مستقل، وبدون هذه السيادة لا ذاكرة لنا، ولا وطن يصمد.
لا توجد تعليقات حتى الآن

لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.

أضف تعليق