العودة إلى المدونة
حين يُختزل الألم … هكذا تعيد المنصات تشكيل صورة الفلسطيني
لم تبدأ القصة بنقاش ديني، ولم تكن في أصلها جدلًا حول زيّ أو مظهر، بدأت بطفلة في الثالثة عشرة من عمرها حُرمت من حقها في التعليم
لم تبدأ القصة بنقاش ديني، ولم تكن في أصلها جدلًا حول زيّ أو مظهر، بدأت بطفلة في الثالثة عشرة من عمرها حُرمت من حقها في التعليم داخل نقطة يُفترض أنها وُجدت لتكون ملاذا آمنًا في زمن الانهيار، هذا هو جوهر الحكاية، لكن وكما يحدث كثيرًا على المنصات الرقمية الاجتماعية لم تبقَ القضية على حالها طويلًا.
خلال ساعات، انزلق النقاش من حق أساسي إلى جدل حول الحجاب، من انتهاك واضح إلى استقطاب مألوف، وكأن الخوارزميات قررت – مرة أخرى – أن تعيد ترتيب أولوياتنا؛ ما يثير الجدل يتصدر، وما يستحق النقاش يتراجع.
المشكلة هنا لا تتعلق بموقف من الحجاب بحد ذاته، المجتمع الفلسطيني تاريخيا، مجتمع محافظ بطبيعته، لكنه في الوقت نفسه مجتمع متنوع، متعدد، يتسع لاختلافاته، ويحترم الحريات الشخصية ضمن منظومته القيمية، هذه ليست ادعاءات، بل حقائق راسخة في تاريخ فلسطين، التي كانت ولا تزال مساحة تلاق ٍ ديني وثقافي، عنوانها التعدد وتقبل الآخر، لا الإقصاء ولا التفكير.
لذلك، فإن تحويل قضية تعليم إلى نقاش حول المظهر، ليس فقط انحرافًا عن الأولويات، بل تشويها ً لصورة مجتمع كامل، وهو تشويه لا يأتي من فراغ، بل يتغذى على ميل رقمي خطير لاختزال المجتمعات في رموز بصرية بسيطة: عباءة، جلباب، أو أي قالب جاهز يسهل تداوله.
وقد رأينا ذلك بوضوح قبل أشهر، عندما حاول البعض تمرير صورة نمطية عن غزة من خلال "العباءة" وكأنها التعبير الوحيد عن هوية الناس هناك، في مقابل ذلك، يغيب الزي الفلسطيني الأصيل، الثوب المطرز، الذي يحمل في تفاصيله تاريخ المدن والقرى، والذي يحاول الاحتلال الإسرائيلي سرقته كما سرق الأرض والمقدسات، هذا ليس تفصيلًا ثقافيًا عابرًا، بل معركة على الهوية ذاتها.
الأخطر من كل ذلك، أن هذه الجدالات السطحية تأتي في توقيت بالغ القسوة، قطاع غزة اليوم لا يواجه نقاشًا حول شكل المجتمع، بل يواجه انهيارًا شبه كامل في مقومات الحياة، التعليم نفسه – الذي كان محور القصة – يكاد يكون غائبا؛ مدارس مدمّرة، بنية تعليمية منهكة، أجيال كاملة مهددة بالانقطاع، إلى جانب ذلك تتفاقم الأزمات الصحية، تنتشر الأمراض، وتتحول أبسط الاحتياجات اليومية إلى معارك للبقاء.
في هذا السياق، يصبح السؤال مشروعًا: كيف تتحول حادثة بهذا الوضوح إلى نقاش جانبي؟ ولماذا تمرّ مسألة حرمان طفلة من التعليم دون أن تتحول إلى قضية رأي عام ضاغطة تحاسب وتصحح وتمنع تكرار مثل هذا السلوك؟
جزء من الإجابة يكمن في منطق المنصات نفسها، فالخوارزميات لا تكافئ الأهم بل الأكثر إثارة، الجدل ينتشر أسرع من التحليل، والانقسام يولّد تفاعلًا أعلى من التوافق، وهكذا يتم سحب النقاش من مساره الطبيعي – المساءلة والمطالبة بالحقوق- إلى مسار مريح رقمياً: مَن مع، ومَن ضد.
لكن الجزء الأخطر من الإجابة يتعلق بنا نحن، حين نقبل بهذا الانزلاق، أو نشارك فيه، نكون عمليًا نُهدر طاقتنا في معارك لا تقدّم شيئًا لواقعنا، بينما تظل القضايا الجوهرية بلا صوت كافٍ.
ما نحتاجه اليوم ليس المزيد من الجدل، بل إعادة توجيه هذا الزخم نحو ما يستحق، هناك حد أدنى من المقومات يجب أن يتحول إلى أولوية نقاش وضغط:
إعادة تشغيل العملية التعليمية ولو بحدها الأدنى، من خلال مساحات آمنة، وتجهيزات أساسية، وكوادر مدرّبة، بعيدًا عن أي شروط تمييزية، وتعزيز الدعم النفسي للأطفال الذين يعيشون آثار الحرب يوميا بدلًا من تركهم فريسة للفراغ والانقطاع، وإعادة توجيه الخطاب الرقمي نحو القضايا الكبرى؛ التعليم، الصحة، البنية التحتية، بدل استنزافه في قضايا هامشية.
هذه ليست حلولًا نهائية، لكنها بداية لإعادة ترتيب الأولويات.
في المقابل، الاستمرار في الغرق في هذه الجدالات السطحية يحمل كلفة حقيقية، لأن الهوية لا تُسرق دفعة واحدة، بل تُستنزف تدريجيا، مرة عبر اختزالها في زيّ، ومرة عبر تشويه صورتها، ومرة عبر إغراقها في نقاشات لا تعكس حقيقتها.
وإذا استمر هذا المسار، سنجد أنفسنا ببطء أمام واقع أخطر، شعب بلا سردية واضحة وبلا صورة متماسكة، هو بلا قدرة على الدفاع عن ذاته كما هي، لا كما يُراد لها أن تُعرض. حينها، لن يكون الخطر فقط من الاحتلال الذي يحاول سرقة الأرض والتاريخ، بل أيضًا من أفكار دخيلة تحاول إعادة تشكيل المجتمع من الداخل، ومن فضاء رقمي يعيد إنتاج هذه التشوهات بلا توقف.
المعركة اليوم ليست فقط من أجل البقاء، بل من أجل المعنى، من أجل أن نُبقي على صورة أنفسنا كما نعرفها؛ مجتمع متعلم، منفتح، متنوع، ومتمسك بحقه في الحياة الكريمة، ولهذا فإن أبسط اختبار لوعينا الجمعي هو: هل ننشغل بما يلمع، أم بما ينقِذ؟
لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.