العودة إلى المدونة
بدلاً وليس بديلاً عن المجلس التشريعي: حالة ضرورة طارئة تماشياً مع الخصوصية الفلسطينية
غياب مجلس تشريعي قادر على أداء مهامه، سواء بصفته مصدراً للتشريع أو كونه جهةً رقابية تمنع شطط السلطة التنفيذية داخل النظام السياسي الفلسطيني،
غياب مجلس تشريعي قادر على أداء مهامه، سواء بصفته مصدراً للتشريع أو كونه جهةً رقابية تمنع شطط السلطة التنفيذية داخل النظام السياسي الفلسطيني، فاقم أزمات سياسية وقانونية جمّ منذ ما يقرب عَقداً ونيف. فغياب المجلس لسنوات طويلة تحت وطأة مبررات الاحتلال الإسرائيلي، أو الانقسام الفلسطيني، أو آية مبررات أخرى لا يعني التغاضي عن معضلة أساسية تقسم ظهر المجتمع والنظام السياسي في آن واحد، فمن ناحية يعني الغياب سقوطاً حراً لمبدأ فصل السلط بتفرد السلطة التنفيذية بمفاصل التشريع والتنفيذ داخل النظام السياسي، كما أن الغياب يعني تشتت المجتمع عن توحيد الصفوف ببرنامج سياساتي يجابه ضغط الاحتلال الإسرائيلي والضغوط الخارجية أياً كان مصدرها.
بقي المجلس التشريعي خالياً من تمثيل الإرادة الحقيقية للشعب الفلسطيني على مر سنوات عديدة، وتعززت فرضية شرذمة قطاع غزة عن الضفة الغربية تطفو على السطح بشكلٍ جلي بعد أحداث السابع من أكتوبر لعام 2023، وهما المعزولان جغرافياً بحكم الاحتلال وسياسياً بحكم الانقسام؛ إذ لم يكن هنالك قرار سياسي جامح موحد لإدارة مواجهة حرب الإبادة الممارسة على الشعب الفلسطيني، باعتبارها موقفاً يتأتى بأن يتكاتف الجميع وتتنازل فيها القوى عن طموحاتها السياسية الضيقة مقابل توحيدها لمستوى الجهود المختلفة داخل برنامج وطني شامل يجابه غطرسة آلة الحرب الإسرائيلية.
حاولت القوى العربية إعادة المشهد السياسي الفلسطيني إلى ما كان عليه قبل الانقسام عام 2007، سواء بعقد مؤتمرات صلح بين الحركات الوطنية الفلسطينية أو حتى الإعلان عن انتخابات تشريعية ورئاسية مُقبلة، لكن باءت كل هذه المحاولات خلال ما يقارب سبعة عشر عاماً بالفشل، سواء بتقريب وجهات النظر، أو إعادة بلورة لانتخابات تشريعية ورئاسية عامة جديدة يُتاح فيها للمجتمع الفلسطيني أن يُحدد ممثليه مرة أخرى.
إعادة التفكير بنمط آخر
لكن ما يلفت النظر هنا ليس الكم الهائل من المحاولات في إعادة ترتيب البيت الفلسطيني بل إن جُلها -إن لم يكن كلها- يركز على طريقة واحدة فقط تتمثل بالانتخابات المباشرة، دونما تفكير في إيجاد وسيلة طارئة يُفعل فيها المجلس التشريعي ويعود لممارسة مهامه ووظائفه ولو بشكل طارئ ومؤقت إلى أن يتم إيجاد توليفة تعيد ترتيب البيت الفلسطيني إلى ما كان عليه قبل الانقسام عام 2007.
تُطرح على الساحة أعذار كثيرة لعدم إمكانية إعادة تفعيل المجلس التشريعي من بينها الفصل الجغرافي بين قطاع غزة والضفة الغربية، أو عدم إمكانية إجراءها في مدينة القدس. ولهذا فلماذا لا يمكن إعادة التفكير في نمط أخر مُختلف عن الانتخاب المباشر يتم فيه اللجوء إلى حلول أخرى تساهم في عودته كفاعل داخل النظام السياسي بالنظر لخصوصية الحالة والواقع الفلسطيني المُعاش؟ ألا يوجد غير صندوق الانتخاب المباشر لإيجاد توليفة تُمثل المجتمع الفلسطيني داخل المجلس التشريعي؟ ألا تتطلب خصوصية الحالة الفلسطينية بإعادة التفكير في المسألة لإيجاد حلاً ولو مؤقتاً وطارئاً لمواجهة التحديات الجم التي يعشيها الشعب الفلسطيني.
انبثاق مجلس تشريعي ولو بشكل مؤقت وطارئ يعني محاولة اللجوء لوسائل أخرى غير طريقة الانتخاب المباشر عبر فرضية تعزيز نموذج انتخاب غير مباشر كوسيلة لانبثاقه بالاسترشاد ببعض الأفكار التي تُأتَي نتائج تشابه وسيلة الانتخاب المباشر ليتمكن المجلس التشريعي -المنبثق ولو بشكل مؤقت- من أداء دوره بفاعلية بعيداً عن تجاذبات الحزبية السياسية، وكضرورة مُلحة أمام ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من نهج تصفية إسرائيلية لقضيته العادلة.
يتطلب استحداث خصوصية فلسطينية نقداً للذات ومن ثم محاولة الاستبصار من التجارب السياسية المُختلفة؛ مما يتطلب مُغامرة فكرية وأخذ خطوة إلى الأمام لتجاوز الجمود الحاصل على مستوى إعادة تفعيل المجلس التشريعي الفلسطيني. إن ما يمكن الاسترشاد به كنموذج يراعى به الخصوصية التي تعيشها الحالة الفلسطينية تَكمن في محاولة جعل الانتخابات المحلية وسيلة انتخاب غير مباشر لانبثاق مجلس تشريعي، فقد كونت الانتخابات المحلية نضوجاً على المستوى المحلي ولقد آتت أُكَلها منذ فترات عديدة في تطوير -ولو نتوءاً لدمقرطة- بنية مجتمعية قادرة على أن توازن بين معركة الصمود وتقرير المصير، وبين محاولة الرُقي من مستوى المأسسة الهشة.
جرى في فلسطين منذ قيام السلطة الفلسطينية أربع انتخابات محلية -وهي تستعد لإجراء انتخابات محلية خامسة لعام 2026- كانت بدايتها عام 2004 جرت في (262) هيئة محلية كان نصيب المُعينين من طرف السلطة التنفيذية (3739) عضواً، وفي أخر انتخابات محلية لعام 2021 قفزت إلى (478) هيئةً محلية، وغطت الانتخابات هذا العام (420) هيئة محلية؛ في مشاركة بلدية دير البلح فقط من غزة، وبالتوازي مع تقليص القرار بقانون رقم (3) الذي ينظم الانتخابات المحلية الفلسطينية عدد الهيئات المحلية نتيجة إعادة رسم الحدود الإدارية.
يعصف بالنظام السياسي والمجتمع الفلسطيني الكثير من المُعضلات والأزمات الحقيقية التي تستدعي نموذجاً يجعل الانتخابات غير المباشرة -ولو طارئة- وسيلة لاختيار أعضاء المجلس التشريعي، وذلك لبلورة وبناء فِكر سياسي طارئ بالحالة الفلسطينية الراهنة، لمحاولة كسر الجمود السياسي من خلال الخروج عن المألوف القانوني والسياسي (غياب مجلس تشريعي). هكذا دواليك وعلى شاكلة نموذج الانتخاب غير المباشر والذي يستمد به رئيس النظام السياسي الأمريكي شرعيته من خلال مَجمع انتخابي مكون من (538) ناخباً يُصوت لهم الناخبون مُباشرة، وهكذا تجري الانتخابات على مرحلتين الأولى عامة لاختيار ناخباً عن الولاية، ومن ثم تأتي المرحلة الثانية والتي يصوت فيها هذا الناخب نيابة عن الولاية التي اختارته في المرحلة الأولى.
استغلال حالة الانتخابات المحلية فلسطينياً لتكون نُطفة يُسترشد بها كنموذج خاص وطارئ لتشكيل مجلس تشريعي يمارس مهامه المنوطة بالقانون الأساسي الفلسطيني إلى حين العودة إلى حالة الانتخاب المباشر. بحيث يصبح أعضاء الهيئة المحلية المُنتخبون بالانتخاب العام المباشر أعضاءً في هيئة تختار أعضاء المجلس التشريعي البالغ عددهم (132) عضواً يمارسون مهاهم التي أقرها القانون الأساسي الفلسطيني والنظام الداخلي للمجلس التشريعي إلى حين عودة الأمور الانتخابية العامة إلى نصابها أو اعتماد هذه الآلية وتطوريها كوسيلة لاختيارهم.
الآلية
يراعى في المجلس التشريعي المنتخب -المؤقت والطارئ- التقسيم الجغرافي بحيث يكون هنالك مقاعد ثابتة لكل محافظة داخل المجلس التشريعي يكون نصيب كل محافظة مقعدين ثابتين يتم اختيار الأعضاء فيها إما بالتعيين من طرف رئيس السلطة التنفيذية بحيث لا يلغى دوره بالمشاركة في اتخاذ القرار، أو أن يلجأ المحافظ إلى اقتراح مجموعة من الأسماء على الرئيس يختار من بينها هذين المقعدين، أو أن يُوَكل الرئيس لمحافظ المحافظة اختيارهم مباشرة.
أما عن المقاعد المئة المتبقية فيتم فيها مراعاة التقسيم الديمغرافي على مستوى المحافظات وهي مقاعد تتغير بحسب التوزيع السكاني لكل محافظة، ويُوكل اختيارهم للمجلس الذي عَبر عنه المواطنين داخل الهيئات المحلية بمجموع مقاعدها كافة والبالغ عددها 420 هيئة محلية في الضفة الغربية و25 هيئة محلية في قطاع غزة. وعليه يصبح العضو المنتخب داخل الهيئة المحلية (بلدية/ مجلس قروي) نائباً مُنتخباً من طرف الساكنة المحلية وناخباً داخل مجلس ينشئ مرة واحدة لاختيار أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني.بناء على اخر إحصاء جرى عام 2025 بلغ عدد السكان 5,490,307 فلسطيني، وبلغ على سبيل المثال عدد سكان محافظة رام الله والبيرة 392363 فلسطيني، فإذا ما أردنا أن نحتسب عدد المقاعد التشريعية التي تستطيع جنيها المحافظة فهي عدد المقاعد المُنتخبة والبالغ عددها 100 مقعد على عدد سكان فلسطين مضروباً بعدد سكان المحافظة، بالإضافة إلى المقعدان ضمن التقسيم الجغرافي لكل محافظة. ويمكن تمثيلها كالآتي:
1005490307×392363+2=9
هكذا دواليك تجري المعادلة على كل المحافظات لمعرفة عدد أعضاء المجلس التشريعي لكل محافظة، وتتولى لجنة الانتخابات المركزية اجراء هذه الانتخابات غير المباشرة ضمن القوانين والأنظمة واللوائح المعمول بها لضمان سير العملية الانتخابية. وفي خصوص آلية الترشح فتبقى الشروط المنصوص عليها داخل النظام الداخلي للمجلس التشريعي أو القوانين الأخرى التي تنظم عملية الترشح سارية كما هي.
لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.