العودة إلى المدونة

كارثة "الصيرفي" شرق نابلس: شلل السياسات يحول محطة مؤقتة إلى بؤرة تلوث مزمنة
تتجاوز معاناة سكان المنطقة الشرقية في مدينة نابلس مجرد الانزعاج اليومي من الروائح الكريهة، لتصل إلى حدود التعايش القسري مع كارثة بيئية مكتمل

نابلس - راما الفارس - منصة ظل
تتجاوز معاناة سكان المنطقة الشرقية في مدينة نابلس مجرد الانزعاج اليومي من الروائح الكريهة، لتصل إلى حدود التعايش القسري مع كارثة بيئية مكتملة الأركان. فعلى امتداد ستة دونمات، تمتد محطة "الصيرفي" التي تنهال عليها عشرات شاحنات النفايات يومياً، لتتحول من محطة ترحيل إلى مكب عشوائي يخنق محيطه.
يجسد شفيق العكة، صاحب محل تجاري في المنطقة، الوجه الاقتصادي لهذه الأزمة؛ إذ يعاني من عزوف الزبائن عن زيارة محله الواقع على المدخل الشرقي لنابلس، الذي دوماً ما كان منتعشاً، وذلك بفعل تناثر النفايات على جنبات الطرق وسحب الدخان السام الناتجة عن الحرائق العشوائية المندلعة في المكب.
ولا يقف التلوث عند حدود المنطقة الصناعية أو المحال التجارية المحيط، بل يمتد زحفاً نحو قرية الباذان السياحية المجاورة، التي يصف رئيس مجلسها القروي، فارس الفارس، المشهد بمأساة حقيقية تلاحق القرية وتضرب اقتصادها السياحي؛ حيث يغطي الدخان الكثيف سماء المنطقة لفترات طويلة، حاملاً معه نذراً بتفشي الأمراض. ورغم الاحتجاجات المتواصلة والوعود الرسمية المتكررة بالإزالة، يبقى الوضع على حاله. وتمتد تداعيات هذا التلوث لتضرب المساكن الشعبية شرق المدينة، حيث يصف المواطن خالد أبو كاملة، المتحدث باسم أهالي المنطقة لمتابعة الملف، واقعاً خانقاً تتكدس فيه النفايات حول الحاويات، وتنتشر"عصارة النفايات" السامة في الشوارع مسببة حوادث سير وروائح لا تحتمل، في مشهد يشي بخروج إدارة هذا الملف عن السيطرة.
سياسات معطلة: "المؤقت" الذي تحول إلى استنزاف دائم
تمثل أزمة مكب الصيرفي انعكاساً للفشل في بناء نظام وطني متكامل لجمع ونقل النفايات والتخلص منها. فرغم وجود حزمة من السياسات والتشريعات، آخرها النظام الخاص الذي أصدرته وزارة الحكم المحلي عام 2021 لتنظيم عملية جمع النفايات في نابلس، لكن عملياً تبرز فجوة واسعة بين النصوص السياساتية والتطبيق، فمحطة الصيرفي أُنشئت قبل نحو عشرين عاماً كـ "محطة ترحيل مؤقتة"، إلا أن محدودية خيارات إدارة ملف النفايات حولاها إلى مكب دائم وعشوائي يفتقر لأدنى المعايير البيئية.
على الصعيد التنفيذي، يتولى مجلس الخدمات المشترك بالشراكة مع بلدية نابلس إدارة هذا الملف. ويوضح المدير التنفيذي للمجلس، المهندس سعد أبو زنط، أن المحافظة تنتج يومياً ما بين 300 إلى 360 طناً من النفايات، تستقبل محطة الصيرفي وحدها نحو 140 طناً منها، ليُصار لاحقاً إلى نقلها نحو مكب "زهرة الفنجان" في جنين، ويحذر أبو زنط من أن اتخاذ قرار بإغلاق محطة الصيرفي دون تجهيز بديل عملي، سيعني انفجار الأزمة وتكدس النفايات في كل شارع من شوارع نابلس، مشيراً إلى محاولات البلدية لضبط المخالفات عبر تغيير بعض المقاولين المسؤولين عن الترحيل، والبحث في حلول استراتيجية كتحويل النفايات إلى طاقة.
فجوة الإيرادات ومقصلة مناطق (ج)
وينوه أبو زنط إلى أن كل الحلول المقترحة تصطدم بواقع مالي شديد التعقيد؛ منوهاً إلى أن تكلفة جمع الطن الواحد من النفايات تبلغ 163 شيكلاً، يضاف إليها 45 شيكلاً للنقل، و27.5 شيكل للطمر. مشيراً إلى أن هذه المبالغ تصل إلى ما يقارب 27 مليون شيكل سنوياً، في حين لا تتجاوز إيرادات البلدية من رسوم النفايات حاجز الـ 12 مليون شيكل، ما يخلق عجزاً مالياً ضخماً يقدر بنحو 15 مليون شيكل سنوياً، وهذا ما يعيق قدرة المؤسسة على تطوير بنية تحتية بديلة.
وتتقاطع هذه الهشاشة المالية مع قيود سياسية وأمنية يفرضها الاحتلال، حيث يبرز الإغلاق المتكرر للحواجز، ومنع إنشاء أي محطات بديلة أو مكبات صحية في الأراضي المصنفة (ج)، كعوامل قاهرة تفرض بقاء المحطة في موقعها الحالي المكتظ بالسكان. غير أن الأهالي يرفضون اعتبار هذه التحديات مبرراً لاستمرار المأساة؛ إذ يتهم أبو كاملة البلدية بانتهاج سياسة "ترحيل الأزمة بدلاً من حلها"، معتبراً أن تكرار الوعود دون أثر ملموس يعكس استخفافاً بالحقوق البيئية والصحية للسكان.
تدخلات ملحة وعاجلة وخارطة طريق
يصف الباحث البيئي د.خالد أبو علي المكب بـ "بؤرة تلوث مزمنة"، مرجعاً ذلك إلى غياب أنظمة العزل المبطنة للتربة والتكديس العشوائي الذي يرافقه حرق مكشوف يطلق غازات شديدة السمية. ويطلق د.أبو علي تحذيراً شديد اللهجة من خطر تسرب "عصارة النفايات" نحو المياه الجوفية، خاصة في منطقة الباذان الغنية بالينابيع، ما ينذر بتدمير الأراضي الزراعية وضرب عصب الصحة العامة، فضلاً عن تحويل المنطقة إلى بؤرة لتكاثر القوارض والحشرات.
يطرح د.أبو علي خارطة طريق متدرجة تبدأ بإجراءات طوارئ عاجلة؛ أساسها الوقف الفوري والصارم للحرق المكشوف، وتنظيم عملية الطمر والتغطية اليومية بالتراب، مع استحداث نظام مؤقت ومستعجل لمعالجة العصارة قبل تسربها. مشدداً على ضرورة اتخاذ قرار على المدى المتوسط إما بتحويل الموقع إلى محطة ترحيل نموذجية تخضع لمعايير بيئية صارمة، أو إغلاقه بشكل كلي وتأهيله بيئياً بعد نقل وظائفها إلى موقع معزول وبعيد عن التجمعات السكنية ومصادر المياه. وفي الوقت الذي تروج فيه البلدية للبحث عن شراكات مع القطاع الخاص لإنتاج الطاقة، يبقى المواطن في المنطقة الشرقية يدفع ضريبة هذا التباطؤ من صحته وجودة حياته، بانتظار قرار يوقف هذا النزيف البيئي.
لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.