العودة إلى المدونة
نحو سيادة مالية فلسطينية: إعادة بناء دور القطاع العام كرافعة للصمود والاستقلال الاقتصادي
في ظل الأزمة العميقة التي تعاني منها المالية الفلسطينية العامة، لم يعد من الممكن الاستمرار في إدارة الاختلالات عبر حلول مؤقتة أو سياسات تقشف
في ظل الأزمة العميقة التي تعاني منها المالية الفلسطينية العامة، لم يعد من الممكن الاستمرار في إدارة الاختلالات عبر حلول مؤقتة أو سياسات تقشفية تمسّ المواطن. فعجز الموازنة هو مظهر الأزمة ونتيجتها وليس أساسها أو سببها، وعجز الموازنة حقيقةً ليس إلّا تعبير عن غياب السيادة الفعلية على الإيرادات العامة، واعتماد المالية العامة المرتفع على عوامل خارجية مثل التمويل الدولي وأموال المقاصة. وفي هذه المرحلة الحساسة، التي تتزايد فيها التهديدات الوجودية لكيانية السلطة الفلسطينية باعتبارها أحد أعمدة تأسيس الدولة الفلسطينية المنشودة، ويتعرض فيها صمود المواطن لضغوط غير مسبوقة، يصبح من الضروري البحث عن مسار اقتصادي جديد لا يحمّل كلفة الأزمة للفئات الأكثر هشاشة.
أزمة المنهج
لقد ساد خلال العقود الماضية نموذج اقتصادي متأثر بعقيدة السوق الحر، ولكن بصيغة نيوليبرالية مشوّهة لا تنسجم مع الواقع الفلسطيني. إذ تم تحميل القطاع الخاص دور المحرك الأساسي للنمو، في بيئة تفتقر إلى شروط السوق الطبيعية، وفي ظل قيود الاحتلال وهيمنته العالية على معظم مكوّنات الاقتصاد الفلسطيني، وضعف البنية الإنتاجية، وتشوهات عميقة في السوق، وغياب عملة وطنية سيادية، وتآكل السيادة على المعابر والممرات وحتى على الطرق الداخلية والموارد.
هذا النموذج لم يحقق تنمية حقيقية، بل عمّق التبعية وأضعف قدرة الاقتصاد على الصمود. لذلك، فإنّ التحول نحو نموذج بديل لم يعد خياراً فكرياً، بل ضرورة وطنية، تفرضها الحاجة إلى حماية الاستقرار الاجتماعي، ومنع تحميل أعباء الأزمة للموظف العمومي أو المواطن محدود الدخل.
تركز هذه المقال على استراتيجية تعزيز الاستثمارات العامة والحكومية باعتبارها إحدى استراتيجيات تعزيز السيادة المالية، وهي استراتيجية تتطلب إحداث تحوّل في تعريف القطاع العام الفلسطيني والخروج من المنظومة الفكرية شبه المغلقة، التي تؤمن باقتصاد السوق الحر والنهج الليبرالي أو النيو ليبرالي المشوّه، رغم كل شواهد التاريخ الحديث في عشرات الدول والتجارب والتي أثبتت أنّ التنمية والسيادة من خلال تطبيق نموذج السوق الحر هي شبه مستحيلة، بل تفضي إلى نتائج معاكسة للأهداف المرجوّة.
كيف يمكن تعزيز السيادة المالية للقطاع العام؟
ينطلق هذا التحول من إعادة تعريف دور القطاع العام نحو اعتباره فاعلاً اقتصادياً منتجاً، قادراً على توليد الإيرادات وتعزيز السيادة المالية. على أن يُنجز هذا التحوّل على مرحلتين، المرحلة الأولى تركّز على تعزيز الإيرادات الذاتية وتعزيز صمود القطاع العام، وهي موضع تركيز هذا المقال، والمرحلة الثانية ينتقل فيها القطاع العام من أولوية تعزيز الإيرادات الذاتية وتعزيز صمود القطاع العام إلى ضرورات تعزيز الصمود الاقتصادي للمجتمع وتعزيز السيادة على الأرض والموارد، وذلك عبر تبنّي نهج استثماري أو داعم للاستثمار، يركز على أولويات التوسع الأفقي لتعزيز السيادة على الأرض والتنمية من الأطراف إلى المركز ومن الضعيف إلى الأقوى، كنهج معاكس لما تم تبنيه في العقود الأخيرة حيث تم تركيز التنمية في مراكز المدن على حساب الأطراف المتاخمة للتوسع الاستيطاني، بالتزامن مع تزايد الفجوات الطبقية بين الضعيف والقوي اقتصادياً.
من الأدوات المهمة التي ينبغي تبنيها في هذا السياق، إنشاء صناديق استثمار عامة قطاعية في مجالات مثل الطاقة، والزراعة، والإسكان، وغيرها من القطاعات الحيوية. تعمل هذه الصناديق وفق أسس تجارية مهنية، وتُموّل من خلال مزيج من الموارد العامة والشراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات المالية المحلية، مع الحفاظ على الملكية العامة للأصول الاستراتيجية. يمكن لهذه الصناديق أن تشكّل منصة لتجميع الموارد، وتوجيهها نحو استثمارات إنتاجية مدروسة، وتوزيع المخاطر والحد منها، بما يعزز كفاءة الاستثمار العام ويزيد من عوائده. يتطلب ذلك تبنّي نهج استثماري قائم على تطوير أصول عامة منخفضة المخاطر، وقابلة للتشغيل من قبل القطاع الخاص. يمكن ترجمة هذا التوجه عبر استثمارات مباشرة في أصول تشغيلية، ومن الأمثلة التطبيقية عليها:
إنشاء سلسلة من محطات الوقود المملوكة للقطاع العام، والتي يتم طرح تشغيلها بعطاءات تنافسية للقطاع الخاص مقابل إيراد سنوي ثابت. هذا النموذج يضمن تدفقاً مالياً مستقراً، مخاطرة محدودة جداً، ويستفيد من خبرة القطاع الخاص، دون التفريط بالملكية العامة.
تطوير مشاريع إسكان للموظفين العموميين من خلال شراكات مع القطاع الخاص، يتولى فيها الشريك التمويل والبناء والإدارة، في المقابل تكون الإيرادات التشغيلية من نصيبه لقاء دفع مبلغ سنوي للقطاع العام بدل تشغيل المنشأة، وفي نفس الوقت تبقى ملكية الأصول للقطاع العام. هذه المشاريع تساهم في توفير حلولاً إسكانية وتخلق أصولاً استراتيجية مدرّة للدخل على المدى الطويل.
إنشاء مشاغل إنتاجية تستهدف تلبية الاحتياجات المباشرة للقطاع العام، مثل الأثاث المدرسي والمؤسساتي، والمستلزمات الطبية، والزي الموحد للمؤسسات الرسمية مثل الشرطة والدفاع المدني والزي الرسمي في المدارس. هذا النموذج يخلق طلباً مستقراً، ويحفّز الإنتاج المحلي، ويعزز سلاسل القيمة الوطنية، بما ينعكس إيجاباً على التشغيل والدخل.
إنشاء مؤسسة استهلاكية وطنية، عبر إنشاء شبكة مراكز استهلاكية، مملوكة من قبل القطاع العام ويتم تشغيلها من قبل القطاع الخاص، تعمل كحلقة وصل منظمة بين المنتجين المحليين والمستهلكين، أفراداً ومؤسسات. تقوم المؤسسة بتجميع وعرض المنتجات الفلسطينية وتسويقها وتوزيعها بكفاءة، ما يضمن طلباً مستقراً ويخفض تكاليف التسويق على المنتجين. كما توحّد عمليات التوريد للمؤسسات العامة والخاصة، وتوفر بيانات دقيقة لدعم التخطيط الاقتصادي. وتخدم الهدف الاستراتيجي المتمثل في تعزيز الإنتاج المحلي، إحلال الواردات، وزيادة الاعتماد على الذات اقتصادياً، وتعزيز إيرادات القطاع العام.
يمكن إطلاق هذه الاستثمارات عبر نماذج تمويل مبتكرة، من خلال إشراك البنوك الفلسطينية كشركاء تمويليين، بحيث توفر التمويل بفوائد محدودة، دون الدخول في ملكية الأصول. هذا النموذج يتيح بدء مشاريع استراتيجية دون تحميل الموازنة أعباء فورية كبيرة.
خاتمة
لضمان نجاح واستدامة هذا التحوّل لا بد من بيئة مؤسسية قائمة على الحوكمة الرشيدة والشفافية والمساءلة وتفصل بوضوح بين السلطات الثلاثة، مع تفعيل مؤسسات الرقابة والتشريع، وعلى رأسها المجلس التشريعي، لضمان حسن إدارة الاستثمارات العامة، ومنع أي انحرافات أو سوء استخدام للموارد.
إن جوهر الأزمة المالية الفلسطينية يكمن في غياب السيطرة على الإيرادات، والحل لا يمكن أن يكون عبر مزيد من الاعتماد على الخارج، أو عبر إجراءات تقشفية تمسّ المواطن والموظف أو عبر رفع الإيرادات الضريبية بما ينهك الأسرة الفلسطينية؛ بل يتطلب بناء مصادر دخل ذاتية، قائمة على استثمارات عامة مدروسة، و شراكات ذكية، وأدوات تمويل مبتكرة. ولا يمكن مواجهة المشاكل البنيوية بحلول تقنية مثل الإصلاح المالي فقط، بل تبرز ضرورة إعادة بناء نموذج اقتصادي قادر على الصمود، يحمي المواطن، ويعزز الاستقلال، ويعيد للدولة دورها كفاعل اقتصادي منتج.
فإمّا أن نبني أدواتنا بأيدينا، أو نظل رهائن لأزمات لا نملك قرارها.
لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.