العودة إلى المدونة
آراء في السياسات

عشرون عاماً على "الكوتا": نساءٌ في المجالس المحلية بلا قرار مؤثر

5 دقائق قراءة 27 أبريل 2026

في عام 2005، أقرّت فلسطين نظام "الكوتا" النسائية في الانتخابات المحلية


في عام 2005، أقرّت فلسطين نظام "الكوتا" النسائية في الانتخابات المحلية، فقفزت نسبة تمثيل النساء في المجالس البلدية دفعةً واحدة من أقل من 2% إلى ما يزيد على 20%. حينها، سادت اجواء احتفالية متفائلة رسمتها التقارير المتخصصة، وسارعت مؤسسات أهلية محلية ودولية إلى توثيق "النجاح". لكن المرأة التي جلست على ذلك الكرسي تدرك في قرارة نفسها -وما لا تعلنه غالباً في الاجتماعات الرسمية- أنها في أحيان كثيرة حضرت ولم تقرّر، وصوّتت على ما لم تُستشَر فيه، وأُدرج اسمها في وثائق لم تكتب منها حرفاً. والآن، وبعد عشرين عاماً من هذه التجربة، باتت المراجعة النقدية لهذا النموذج ضرورة ملحة، بالتوازي مع أجواء انتخابات محلية ساخنة تمهد لحضور جديد للمرأة وفق الكوتة المعدلة.
الواقع أن البنية الأساسية لصنع القرار في المؤسسة الفلسطينية، سواء أكانت بلدية أم وزارة، لم تتغير بدخول النساء إليها؛ بل من المؤسف القول أن التغيير مس الواجهة فقط. إذ تواجه النساء تهميشاً وإقصاءً عن مطبخ صنع القرار في الهيئات المحلية، حيث تصاغ الموازنات وترتب الأولويات قبل الوصول إلى الجلسات الرسمية للمجالس. كما تغيب النساء عن رئاسة اللجان ذات الصلاحيات الحقيقية، كالتخطيط والمالية، وتبقى الموارد في معظمها بعيدة عن سلطتهن. يمتد هذا الاختلال ليطال الرئاسات واللجان، التي تحدد وفق الولاءات السياسية لا معايير الكفاءة أو التكافؤ، ما يجعل المرأة بمواجهة جداري التمييز الجندري، والانتماء الفصائلي الذي يُعيد إنتاج منطق الإقصاء ذاته، ولكن داخل إطار ديمقراطي شكلاً.
وما يحدث اليوم "احتواء مدروس"، وهو نهج أخطر وأعمق أثراً من الإقصاء المباشر؛ إذ يفتح النظام المحلي بابه للمرأة، وفي الوقت عينه يُبقي سلطته الفعلية بمنأى عن حضورها، ثم يُسوّق هذا الترتيب الاستبعادي بوصفه تطوراً وإدماجاً.
غدت نسبة النساء في المجالس مقياساً مريحاً يعفي من عبء قياس الأثر؛ فيمكن رفع النسبة دون إحداث تغيير جوهري، ويمكن الاحتفاء بالرقم كإنجاز دون المساس بقواعد اللعبة التي تُغيَّب عنها المرأة كفاعل حقيقي ومؤثر. والأخطر من ذلك، أن هذا المقياس الكمي يُخفي تفاوتاً مناطقياً حاداً؛ فتجربة عضوة المجلس البلدي في مدينة كرام الله، على سبيل المثال، لا تشبه تجربة نظيرتها في بلدة تهيمن عليه سلطات وقوى غير رسمية. ففي تلك البيئات، تنتقل "الكوتا" من كونها قاصرة وتتحول إلى مجرد ورقة تُضفي على ترتيبات القوى التقليدية مسحةً من الحداثة والشرعية، دون أن تخلخل مراكز قواها الحقيقية.
الأسئلة الجوهرية التي يجب أن تُطرح اليوم هنا: كم امرأة ترأس لجنة ذات صلاحية مالية أو تنظيمية فعلية؟ كم مقترحاً نسوياً تحوّل إلى سياسة مُقرَّة وملزمة؟ وأين تُدرَج أولويات النساء في بنود الموازنات الفعلية، فبعيداً عن الديباجات الإنشائية للبيانات الختامية؟ إن غياب أو تغييب هذه الأسئلة يحول دون تقديم قراءة حقيقية لأثر الكوتا والحضور النسوي في نظام الحكم المحلي،.
لقد بات من الضروري لوزارة الحكم المحلي أن تُقرّ صراحةً بأن الكوتا وحدها لم تُنتج مشاركة مؤثرة، وأن تبادر إلى تضمين قانون الهيئات المحلية نصاً صريحاً يربط توزيع رئاسات اللجان بمعيار التكافؤ، لا بتوافقات المحاصصة الفصائلية أو العائلية أو العشائرية؛ وهذا متطلب أساسي من متطلبات الحوكمة الرشيدة. 
وفي المقابل، على المؤسسات الأهلية المحلية والدولية التوقف عن الركون إلى معدلات العضوية كدليل وحيد على النجاح، المهم، بدلاً من ذلك، المساهمة في تقييم موقع المرأة الحقيقي في دوائر صنع القرار، إلى جانب التحوّل في الخطاب إلى المراجعة النقدية لمخرجاتها، والمساءلة عن "الأثر"، بما يشمل توثيق التجارب الحية للنساء في المناطق المهمشة، حيث تصطدم السياسات والتشريعات الرسمية بمنظومات موازية لا تعترف بها ولا تدعمها.
لا توجد تعليقات حتى الآن

لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.

أضف تعليق