العودة إلى المدونة
"اللامركزية الثقافية"؛ مجتمعات محلية تحمي الثقافة وتنجو بها
وقبل إنشاء السلطة الفلسطينية، قادت البلديات والمجالس المحلية إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني المقاومة الثقافية
برز مصطلح "الإبادة الثقافية" خلال سنتيّ الإبادة على قطاع غزة، لكن محاولات تذويب الثقافة الفلسطينية، وسرقتها أو محاولات إبادتها كانت وما زالت مستمرة منذ بدء الاحتلال. ومع تزايد الأزمات السياسية من تدمير وتجويع في قطاع غزة وإجراءات ضم الضفة الغربية أصبحت المؤسسات الفلسطينية ذات سيطرة سياساتية هشة وخدمية. تصبح الحاجة ملحة هنا لسياسات جادة تساعد على تعزيز صمود المواطن الفلسطيني وتوفير أو تبني آليات للحفاظ على هويته الوطنية والثقافية والتمكين الاقتصادي أو تساعد على انفكاكه اقتصاديا من التبعية للاحتلال. وبدا ذلك جلياً مع اشتداد الأزمات المتلاحقة والتي ظهرت بوضوح في الحرب على إيران، حيث يجد المواطن الفلسطيني نفسه منكشفاً بلا مقومات صمود.
وبالعودة إلى الثقافة، يبدو الحديث عن "السياسات الثقافية" في ظل استمرار الإبادة والحرب والتجويع وفي ظل وضع اقتصادي منهك، نوعاً من الترف خاصة وأن الثقافة لم تكن يوماً من أولويات الحكومة حتى في سنوات الرخاء، إلا أن التجربة الفلسطينية ما قبل أوسلو أثبتت أن الثقافة تمتلك من المرونة وتنوع الأدوار اما يمكنها من خلق فعل مؤثر على الأرض، فيما تكمن نجاتنا في حمايتها وممارستها واستعادة دورها في عالم تحكمه الماديات وتذوب فيه الخصوصية الثقافية.
لعبت الهيئات المحلية دوراً وطنياً هاماً منذ انتخابات 1976 وانتخاب قيادات وطنية للمجالس المحلية، قادت فيه البلديات والمجالس المحلية إلى جانب مؤسسات المجتمع المدني المقاومة الثقافية والتي ساهمت بشكل كبير في تعزيز الصمود الفلسطيني وشكلت حاضنة للحفاظ على الهوية وتعزيز الوعي، على الرغم من التحديات المتمثلة بملاحقة الاحتلال لقيادات البلديات وتعطيل عملها ومحاولات فرض قيادات بديلة. ورغم تغير التحديات التي يواجهها الفلسطيني في الوقت الحالي وتعقيدها وتأثير المتغيرات السياسية والاقتصادية الإقليمية والعالمية على قضيته، ومع الواقع الذي يتعزز يومياً من تقطيع أوصال المناطق الفلسطينية وبناء الجدران والبوابات والحواجز، يبدو إعادة القيادة الثقافية للهيئات المحلية من خلال تبنّي "اللامركزية الثقافية" حلاً يتناسب مع هذا الواقع الجغرافي المتشرذم في ظل عدم وجود قدرة مركزية بحجم هذه التحديات، حلاً يبني الجسور رغم العزلة القسرية ويخلق فرصاً جديدة، ويستفيد من الفرص الحالية وتلك التي أتاحتها السنوات السابقة. فكيف يمكن للهيئات المحلية أن تستعيد قيادة دورها القديم آخذة بعين الاعتبار سياقها المحلي جداً مع تسخير ما اكتسبته خلال الـ30 سنة الماضية لمواجهة واقع اليوم وخلق فرص مستقبلية بأدوات متجددة؟
تجسد مفهوم "المقاومة الثقافية" والذي صاغه إدوارد سعيد في الدور الثقافي الذي لعبته الهيئات المحلية قبل إنشاء السلطة الفلسطينية، حيث طغت الهوية الوطنية على العمل الثقافي ككلّ، ما تسبب في محاربة الاحتلال لقيادة الهيئات المحلية عبر الاعتقال ومحاولات اغتيال والإبعاد وإلغاء الفعاليات ومصادرة المحتويات وغيرها، حيث كان العمل الثقافي في تلك الفترة عملاً مقاوِماً فاعلاً، فالهدف الأعلى للعمل الثقافي في تلك الفترة كان الحفاظ على الهوية وتعزيز الوعي بالقضية وتوثيق التراث الثقافي وحمايته من الطمس والسرقة والتهميش. بل لم يكن انعكاساً للهوية فقط، بل أداة سياسية أيضاً يمكن توظيفها لمواجهة الحالة الاستعمارية وإعادة بناء السردية المضادة.
بالمقابل، يمكن اعتبار العقود الثلاثة الماضية سنوات للبناء والتعلّم بالنسبة للهيئات المحلية، رغم التباين في أدوارها في مجال التنمية الثقافية تحديداً، فبين بلديات تطور سياسات ثقافية وتمتلك أجندات تنمية ثقافية تنفذ وتدعم تنفيذ فعاليات سنوية تُرصد لها موازنات ثابتة كجزء رئيسي من عملها أسوة بباقي الخدمات التي تقدمها، مروراً ببلديات تحاول التخطيط في مجال الثقافة فيما تبقى خططها حبيسة الأدراج نظراً لعدم توفر الموازنات أو لعدم إدراج التنمية الثقافية كأولوية، وصولاً إلى بلديات تصل موازناتها في مجال الثقافة إلى صفر.
رغم ذلك، يمكن الإشارة إلى بعض الإنجازات التي حققتها الهيئات المحلية خلال هذه السنوات، وأريد في هذه المقالة التركيز على إنجازين هامين على المستويين الداخلي والخارجي، أرى أنهما قد يشكّلان أساساً متيناً يمكّن الهيئات المحلية من قيادة العمل الثقافي وتساعدها في تحقيق دورها في تمكين مجتمعها المحلي، وتفتح له جسوراً مع الخارج.
فداخلياً، أتاحت سنوات الاستقرار السياسي والاقتصادي النسبي الفرصة للهيئات المحلية لتطوير بنيتها التحتية وامتلاك الفضاءات والمساحات والموارد التقنية والتي تمكّنها من العمل كحاضنة ثقافية ومجتمعية وفضاء مفتوح للجماهير، ساهم في ذلك تطور قدرات البلديات على تجنيد الموارد وتنويعها وبناء الشراكات مع المؤسسات الإقليمية والدولية. أما على المستوى الخارجي، فقد ساهمت الهيئات المحلية في "الدبلوماسية الثقافية" من خلال بناء الشراكات والتوأمات مع البلديات والهيئات المحلية حول العالم، استطاعت من خلال ذلك نشر الرواية الفلسطينية وتعزيز وجودها عالمياً. ما نحتاجه الآن هو الاستثمار وتوظيف هذه الشراكات والتوأمات كرأسمال وجسر لخلق مزيد من الفرص لأبناء المجتمع المحلي نطاق عمل هذه الهيئات؛ فالدبلوماسية الثقافية ليست دوراً فقط، بل أداة أيضاً لخلق فرص جديدة.
يتطلب تبنّي سياسات ثقافية قائمة على "اللامركزية الثقافية" تقودها الهيئات المحلية في المدن والبلدات الصغيرة المتفرّدة بتراثها الثقافي رغم الهوية الثقافية الفلسطينية الواحدة، الالتفات إلى الخصوصية الثقافية لهذه المناطق، ورصد ما تملك من أصول وموارد ثقافية محلية، وتراثها المادي وغير المادي، وإعادة ربط المجتمع المحلي به ليس فقط من منظور عاطفي مرتبط بالهوية والسردية الوطنية والتاريخية، بل من منظور وظيفي أيضاً يُعيد الاعتبار للدور الاقتصادي للثقافة والتراث ويساهم بصورة حقيقية في الإنتاج الثقافي الإبداعي باستخدام الموارد المحلية، وتوظيف عناصر التراث الثقافي المادي من أبنية ومساحات لصالح مراحل الإنتاج الثقافي جميعها، لتتحول هذه المساحات من أماكن جامدة مهجورة أو مُساء استخدامها إلى مختبرات ومشاغل ومساحات للتجريب والعرض، تحتفظ بقيمتها الثقافية، لكنها أيضاً تعيد الاعتبار وتجدد دورها ووظيفتها الاقتصادية، في عالم تحكمه الماديات وتذوب فيه الخصوصية الثقافية.
أما التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي فأدوات مهولة متاحة عابرة للحدود فعالة قادرة على إحداث ثورة في دور الهيئات المحلية الثقافي التنموي.
ليست "اللامركزية الثقافية" بديلاً عن دور الحكومة في التنمية الثقافية ولا إعفاء لها من مسؤوليتها تجاه هذا القطاع الحيوي، ولكنها تحد لواقع جغرافي مفتت فرضه الاحتلال، في ظل ودور ضعيف للمؤسسات المركزية، مطلوب هنا من الهيئات المحلية أن تستعيد دورها التاريخي، وتوظف مواردها الحالية مستفيدة مما يتيحه لها العالم، لصالح مجتمعات محلية تحمي ثقافتها وتنجو بها.
لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.