العودة إلى المدونة
آراء في السياسات

التحول نحو الخدمات الحكومية الإلكترونية في فلسطين 

5 دقائق قراءة 27 أبريل 2026

 في سياق تتسارع فيه وتيرة التطور التكنولوجي، برز التحول في تقديم الخدمات الحكومية الكترونيًا بوصفه أحد البنود الأساسية على أجندة الحكومات ح

التحول نحو الخدمات الحكومية الإلكترونية في فلسطين 
رامي ابو السباع

في سياق تتسارع فيه وتيرة التطور التكنولوجي، برز التحول في تقديم الخدمات الحكومية الكترونيًا بوصفه أحد البنود الأساسية على أجندة الحكومات حول العالم، سواء في الدول المتقدمة أو الدول النامية. فلسطين، لم تكن بمنأى عن هذا المسار العالمي، إلا أن تجربتها تكاد تكون فريدة من نوعها، ليس من ناحية نجاحها أو فشلها، بل من ناحية خصوصية السياق الجيوسياسي المعقد الذي تتشكل في إطاره. أما هذه الخصوصية، فتنبُع أساسًا من واقع الاحتلال الخارجي، الذي يفرض قيودًا مشددة على استيراد وتوظيف وسائل تكنولوجيا المعلومات والاتصالات. وقد أشار تقرير للبنك الدولي صدر عام 2020 إلى أن هذه القيود أسهمت في الحد من قدرة الحكومة الفلسطينية على تطوير بنية رقمية مستقلة ومتكاملة، إضافة إلى أنّ حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني والمالي، وهي امتدادات مباشرة لواقع الاحتلال، تفرض تحديات جسيمة أمام أي جهد للتحول الرقمي؛ إذ تجد الحكومة الفلسطينية نفسها مضطرة للتعامل مع إجراءات احتلالية يومية معقدة، وحصار مالي خانق؛ الأمر الذي يُبدِّد قدرتها على استدامة المشاريع الرقمية وتطويرها.  

بعد ما يناهز العقدين على إطلاق اللجنة الوزارية للحكومة الإلكترونية الفلسطينية، وبعد نحو سبع سنوات على صدور وثيقة السياسة الوطنية للتحول الرقمي، لا يزال مشروع الخدمات الإلكترونية يسير بخطى متعثرة؛ ذلك أنّ عدد المستفيدين أو المشتركين في بوابة الحكومة الإلكترونية الرسمية "حكومتي" لا يتجاوز خمسة عشر ألفًا، فيما يقتصر عدد الخدمات المقدمة إلكترونيًا على نحو ثمانين خدمة، معظمها خدمات استعلامية، من أصل ما يقارب ألف وأربعمائة خدمة حكومية. وقد انعكس هذا التعثر بوضوح في مؤشر تطور الحكومة الإلكترونية الصادر عن الأمم المتحدة، الذي يقيس مدى تطور الدول في رقمنة خدماتها، إذ لم تدرج دولة فلسطين ضمن هذا المؤشر. وأمام هذا الواقع، يبرز السؤال الجوهري، ما الأسباب الكامنة وراء ذلك؟

لا شك في أن العوامل الجيوسياسية أنفة الذكر قد أسهمت في إبطاء مسار التحول الرقمي في فلسطين، غيرَ أنها لا تمثل السبب الرئيس أو الوحيد، بل إن ثمةَ العديد من العوامل الذاتية أيضًا، التي أدّت دورًا بارزًا في الوصول إلى هذه النتائج المتواضعة، وقد تطرقت أوراق السياسات الحكومية وأدبيات الحكومة الالكترونية في فلسطين إلى عدد من هذه العوامل؛ بعضها حظي باهتمام واسع في البحث والتحليل، مثل: البنية القانونية، والبنية التشغيلية. في مقابل ذلك، لا تزال هناك عوامل أخرى لم تنل نصيبها الكافي من الاهتمام والدراسة مثل: تدني مستويات تبني المستخدمين، وغياب الحوكمة الرشيدة، وغياب القيادة الرقمية الفاعلة. في هذا المقال نسلط الضوء على هذه العوامل المهملة نسبيًا انطلاقًا من قناعة أنّ تحديدها وفهم تأثيراتها المختلفة لم يعد ترفًا بحثيًا، إنما هي شرط أساسي لضمان نجاح جهود التحول الرقمي وتحقيق أهدافه المنشودة.

على الصعيد الدولي، شغل موضوع استكشاف العوامل المؤثرة في مدى إقبال المستخدمين على تطبيقات الحكومة الإلكترونية كلًا من الأكاديميين والمسؤولين الحكوميين على حد سواء؛ أذ إن فعالية هذه المبادرات لا تقاس بمدى توفرها، بل بمدى إقبال المواطنين على استخدامها والاستفادة منها. تشير أدبيات التحول الرقمي إلى أن تدني مستوى استخدام تطبيقات الحكومة الإلكترونية يرتبط بعدة عوامل، من أبرزها عدم إشراك المستخدمين في تصميم وتقييم التطبيقات، قلة ثقة المستخدمين بها، تعقيد استخدامها، أو عدم شعورهم بفائدتها وغيرها. في فلسطين، لم تُجرِ الجهات الرسمية لغاية اللحظة دراسة حقيقة معمقة تستكشف مدى تقبل المواطنين للتطبيقات والخدمات الرقمية الحكومية، والعوامل المؤثرة في إقبالهم عليها. في ظل الأرقام المتدنية لعدد المشتركين والمستفيدين من بوابة "حكومتي" تبرز حاجة ملحة لأن تبادر الجهات الرسمية إلى دراسة هذه العوامل وسَبر أغوارها بشكل منهجي، وأن تسعى إلى تطوير أليات فعالة لمعالجتها، بما يسهم في زيادة تبني المواطنين للخدمات الرقمية. وفي هذا السياق، تشير الأدبيات الحديثة في مجال السياسات العامة إلى أن تحديد وفهم احتياجات المستخدمين وإشراكهم في تصميم التطبيقات تسهم، بشكل كبير، في رفع مستوى تقبلهم لها. 

تعد الحوكمة عاملًا محوريًا آخراً في نجاح أو فشل جهود التحول الرقمي. في السابق تركزت الدراسات الدولية حول التحول الرقمي بشكل كبير على جانب تكنولوجيا المعلومات على حساب بعدي المأسسة والحوكمة، في حين تؤكد الأدبيات الحديثة أن الاعتماد على تكنولوجيا المعلومات وحدها لا يضمن تحقيق النجاح؛ ما دفع كثيرًا من الأكاديميين والمسؤولين الحكوميين إلى الاهتمام بدراسة عوامل المؤسسية وعوامل الحوكمة المؤثرة في هذا المجال. وفي هذا السياق، يبرز التعاون المؤسسي كعنصر حيوي لحوكمة الخدمات الإلكترونية، إذ يتطلب نجاح مبادرات التحول الرقمي تعاونًا فعالًا بين المؤسسات الحكومية، إلى جانب تنسيق عالي المستوى مع مختلف أصحاب المصلحة، بما يضمن تنفيذ المهام عبر شبكات مترابطة ومتكاملة. في السياق الفلسطيني، ما زلنا نشهد ضعفا ملحوظًا في العمل التشاركي والتكاملي بين أجهزة الحكومة الفلسطينية في مجال التحول الرقمي؛ ويتجلى ذلك، على سبيل المثال، في ازدواجية المنصات التي تقدم خدمات مشابهة دون تكامل فعلي بينها، إذ توجد نافذة أخرى إلى جانب تطبيق "حكومتي" تعرف بـ "E-SADAD"، وتدار من قبل سلطة النقد الفلسطينية، وتتيح للمواطنين الوصول لبعض الخدمات الحكومية. الأهم من ذلك أن بعض الخدمات متاحة عبر E-SADAD دون أن تكون مدرجة ضمن قائمة الخدمات المتوفرة في تطبيق حكومتي؛ ما يسهم في تشتيت المستخدمين ويعكس حالة من التشرذم المؤسسي وضعف التنسيق؛ وهو ما يؤثر في المحصلة النهائية سلبًا على تجربة المستخدم وكفاءة تقديم الخدمات الرقمية، فضلًا عن هدر الموارد الناتج ازدواجية وتكرار الجهود. 

أخيرًا، تؤكد الأدبيات الخاصة بالحكومة الإلكترونية أن للقيادة الرقمية دورًا في نجاح أو فشل التحول الرقمي. إن نجاح التحول الرقمي لا يقتصر على تبني التكنولوجيا فقط، بل يتطلب إحداث تغييرات جوهرية في العمليات والهياكل والنظم الإدارية التقليدية وهو ما يمكن أن يتحقق فقط من خلال قيادة رقمية فاعلة. علاوةً على ذلك، وكما ذكر سابقًا فإن ضعف التعاون في القطاع يشكل عائقًا أمام التحول الرقمي. تشير أدبيات الحكومة الالكترونية إلى أن القيادة الرقمية الفاعلة تسهل وتنسق الجهود الجماعية من خلال التواصل برؤية وأهداف موحدة، كما أنها تعمل على موازنة مصالح الأطراف المتضاربة بين أصحاب المصالح داخلياً وخارجياً؛ وهو ما يقلل المنافسة ويعزز التعاون. تؤدي القيادة الرقمية دورًا حاسمًا في توجيه الموارد وتوظيفها وتطوير القدرات البشرية، وترسيخ ثقافة التعليم المستمر؛ الأمر الذي يعد شرطًا أساسيًا لضمان استدامة التغير ونجاح التحول نحو الخدمات الإلكترونية. وبالعودة إلى الحالة الفلسطينية، يتضح أن هناك غيابًا ملحوظًا لمفهوم القيادة الرقمية، سواء في أوراق السياسات الحكومية أو في الأدبيات الأكاديمية، ولا يقتصر هذا الغياب على ضعف التناول، بل يمتد ليعكس فجوة مفاهيمية ومؤسسية في إدراك الدور المركزي للقيادة الرقمية في توجيه مسارات التحول الرقمي، وضمان تكاملها واستدامتها. وفي ظل غياب قيادة رقمية واضحة، تمتلك رؤية استراتيجية وقدرة على التنسيق بين الجهات المختلفة، تبقى الجهود الرقمية في فلسطين مجزَّأة وغير قادرة على تحقيق أثر حقيقي.

 ختامًا، لم يعد التحول نحو الخدمات الإلكترونية في فلسطين خيارًا ترفيهيًا أو مساراً تكميليًا، بل ضرورة وطنية مُلحّة وخيار استراتيجيٌّ تفرِضه قيود الواقع وتحدياته. وعلى الرغم من جسامة التحديات المرتبطة بالسياق الجيوسياسي وعمق تأثيرها على مسار التحول نحو الخدمات الإلكترونية، فلا ينبغي أن يتم التعامل معها بوصفها مبررًا في استمرار تباطؤ هذا المسار، بل بوصفها فرصة استراتيجية محفزة تدفع نحو تسريع تطوير خدمات رقمية متقدمة وسهلة الوصول، بما يسهم في تجاوز القيود التي يفرضها الاحتلال على حركة التنقل، وتقليل الأعباء المادية التي يتكبدها المواطنون في سبيل الحصول على هذه الخدمات، فضلًا عن كونه أداةً فعالة لتعزيز كفاءة الإنفاق العام. في هذا المقال سلطنا الضوء على ثلاثة عوامل رئيسية لم تحظَ بالاهتمام الكافي في أوراق السياسات العامة وأدبيات الحكومة الإلكترونية في فلسطين، وهي: تقبل المستخدمين، عوامل المأسسة وعوامل الحوكمة، والقيادة الرقمية. إن رسم سياسة تحول رقمي قائمة على فهم عميق لهذه العوامل ومدى تأثيراتها، يشكل مدخلًا أساسيًا نحو تحقيق أثر ملموس ومستدام.
رامي ابو السباع
بقلم

باحث في السياسات العامة، يركز على قضايا الحوكمة والتحول الرقمي. حاصل على درجة الماجستير في الإدارة والسياسات العامة من جامعة ملبورن. عضو مجلس إدارة مسرح الحرية في مخيم جنين

عرض جميع المقالات
لا توجد تعليقات حتى الآن

لا تعليقات حتى الآن. بدء مناقشة جديدة.

أضف تعليق